فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 463

والرّأي عند عبد القاهر أنَّهُ لا تَرادُفَ إطلاقًا على مستوى التّراكيب؛ فهو يقول: «ليس كلامنا فيما يُفْهَم من لفظتينِ مفردَتَينِ، نحو: (قَعَدَ) ، و (جَلَسَ) ، ولكن فيما يُفْهَم من مجموع كلام ومجموع كلام آخَرَ؛ نحو أن تنظرَ في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة: 179) ، وقول الناس: (قَتلُ البعضِ إحياءٌ للجميع) ؛ فإنَّهُ وإن كان قد جَرَتْ عادةُ النّاس بأن يقولوا في مِثل هذا: إنّهما عبارتان مُعَبَّرُهُما واحد، فليس هذا القولُ قولًا يمكن الأخذُ بظاهره، أو يقع لعاقل شكٌّ أن ليسَ المفهومُ من أحَد الكلامينِ المفهومَ من الآخَر» [1] .

ومَذْهَبُهُ هذا راجعٌ إلى أصل بنى عليه كتابَهُ المشهور (دلائل الإعجاز) ، وهو أنَّ التفاضُل في الكلام مَرَدُّه إلى التأليف والنَّظْم، لا إلى الكلمات المفردة؛ إذ قال: «هل يقع في وَهمٍ - وإن جَهَدَ - أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن يُنْظَر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنَّظْم» [2] . والنَّظْم عنده ليس سوى «تعليق الكَلِم بعضِها ببعضٍ، وجَعلِ بعضِها بسبب من بعض» [3] ، والمُعْتَبَر من النَّظْم عنده إنّما هو نَظْم الكَلِم الذي هو نظيرٌ «للنَّسْج، والتأليف، والصياغة، والبناء، والوَشْي، والتحبير ... ، ممّا يوجب اعتبارَ الأجزاء بعضِها مع بعضٍ، حتّى يكون لوَضْعِ كلٍّ حيثُ وُضِعَ عِلَةٌ تقتضي كونَه هناك، وحتى لو وُضِعَ في مكان غيره لم يَصْلحْ» [4] .

وقد كان الجانب الأعظم من جهود عبد القاهر موجَّهًا نحو الفروق الدّلاليّة الناتجةِ عن الصياغات المختلفة للتراكيب، وهو يُسَوِّغُ ذلك بقوله: «وذلك أنا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظِم بنظمه غيرَ أن يَنْظُر في وجوه كلّ باب وفروقه» ، ثم يمثِّلُ لتلك الفروق بقوله: «فينظر في (الخَبر) إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيدٌ منطلقٌ، وزيدٌ ينطلقُ، وينطلقُ زيدٌ، ومنطلقٌ زيدٌ، وزيدٌ المنطلقُ، والمنطلقُ زيدٌ، وزيدٌ هو المنطلقُ، وزيدٌ هو منطلقٌ، وفي (الشَّرْط والجزاء) إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تَخْرُجْ أخْرُجْ، وإن خَرَجْتَ خَرَجْتُ، وإن تَخْرُجُ فأنا خارج، وأنا خارجٌ إن خَرَجْتَ، وأنا إن

(1) دلائل الإعجاز: 261.

(2) دلائل الإعجاز: 44.

(3) دلائل الإعجاز: 45.

(4) دلائل الإعجاز: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت