فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 89

أولًا لنناقش أنه لو كان يدخل في علم الله منذ الأزل ماذا سيفعل زيد في حياته الواعية وما هي الخيارات التي سيختارها زيد منذ أن يصبح قادرا على الاختيار إلى أن يموت. فالسؤال لماذا تركه إذا كان يعلم ذلك؟ هنا من أجل تبرير هذا الأمر ندخل في اللف والدوران فنقول: إن الله علم منذ الأزل أن أبا لهب سيكون كافرا، وأن أبا بكر الصديق سيكون مؤمنا. ثم نقول: إن أبا لهب اختار لنفسه الكفر، وأبو بكر اختار لنفسه الإيمان.

إن هذا الطرح لا يترك للخيار الإنساني الواعي معنى، وإنما يجعله ضربا من الكوميديا الإلهية مهما حاولنا تبرير ذلك ...

إذا قلنا الآن إن الله منذ الأزل علم أن أبا بكر سيؤمن وأن أبا جهل سيكفر فهذا عين نقصان المعرفة وليس كمالها، أي أن علم الله يحمل صفة الاحتمال الواحد، ولو كفر أبو بكر وآمن أبو جهل لكانت هذه مفاجأة كبيرة لله تعالى، علما بأن باب الكفر والإيمان كان مفتوحا أمام الاثنين على حد سواء )) [1] .

إن إيراد السؤال العقلي: لماذا ترك الله أبا لهب يكفر مع أنه علم بأنه سيكفر منذ الأزل، هذا هو تعدي العقل لحدوده، ودخوله فيما هو فوق إدراكه، فيصل إلى نتيجة إنكار علم الله المسبق بكفر أبي لهب. وهذه النتيجة مرفوضة عقلًا؛ لأنها تنسب النقص إلى الله! فكونه يعلم أكمل من كونه يجهل!

أما استشكال العقل أن يترك الله أبا لهب يكفر، مع علمه المسبق بكفر، فلا يرده إلا الإيمان بأن الله لا يظلم أحدًا! چ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ... چ [يونس: 44] وقوله تعالى: چ ? ? ? ? چ چ چ [النساء: 40] فأنت بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تؤمن بما أخبر الله به في كتابه من علمه المسبق الشامل بأفعال العباد، وكتابته لها، وخلقه لها، وتقديره لها، مع إيمانك بنفي الظلم عنه سبحانه، وإما أن تكفر بما أثبته الله في كتابه.

ومما ذهب إليه د. محمد شحرور: إنكار كتابة جزئيات الأحداث في اللوح المحفوظ، وتصريحه بنفي قدمها، إذ يقول: (( أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية: مثل تصريف الرياح واختلاف الألوان وهبة الذكور والإناث والزلازل والطوفان وهي قابلة للتصريف، وغير مكتوبة سلفًا على أي إنسان وغير قديمة ... وهذه الأحداث ليست مبرمجة سلفًا وليست قديمة ...

هذا الجزء الذي سماه بعبارة"كتاب مبين"فيه التصريف والتغيير وهو مناط التدخل الإلهي وفقًا للنواميس الكونية التي ارتضاها وقررها، فتارة يعمل لصالح زيد وأخرى لصالح

(1) من مبحث:"علم الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت