فهرس الكتاب
يظهر جليًا من استدلالات د. محمد شحرور بآيات من القرآن أنه لا يتبع قول أحد من مفسري الأمة، لا من الصحابة ولا من بعدهم، بل يرفض ذلك رفضًا قاطعًا، فيقول:"لسنا عبيدًا للسلف، فأنا لا أقبل أن أجلس عند أقدام ابن عباس أو أقدام الشافعي!" [1] .
ويقول الدكتور: (( كل تفاسير القرآن: تراث يحمل طابع الفهم المرحلي النسبي ) ) [2] . ويعرّف التراث بأنه: (( النتاج المادي والفكري الذي تركه السلف للخلف ) )، ويقول: (( التراث هو الفهم النسبي للناس له في عصر من العصور، حتى ولو جاء هذا الفهم من عهد صدر الإسلام ) ).
ويبين الموقف الصحيح في نظره من هذا التراث بأن (( نحترم تراثنا لا أن نقدسه. إن الذين صنعوا التراث العربي الإسلامي هم من الناس ونحن من الناس أيضًا، ومعروف قول أبي حنيفة النعمان"هم رجال ونحن رجال"، وقد آن لنا أن نصنع تراثًا لأجيالنا القادمة بملء إرادتنا وبدون حرج ) ).
فالدكتور يجعل كل ما جاء من تفسير للقرآن من قبيل التراث، فلا يفرق بين ما جاء عن الصحابة أو التابعين أو غيرهم، فحُكم كل ذلك عنده هو الرد، بدعوى عدم التقديس، والاكتفاء بالاحترام، فدعواه احترام التراث لا تعني شيئًا طالما أنه يرده جملة وتفصيلًا، فأي احترام هذا؟!
ثم انظر في عبارة الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- فقد كان على الدكتور أن يوردها كاملة، ولا يبترها، حتى تتبين مخالفته الصريحة لها. قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله-: (( إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذنا، وإذا جاء عن الصحابة تخيّرنا ولم نخرج عن قولهم، وإذا جاء عن التابعين أحسسناهم، زاد غيرهم: فهم رجال ونحن رجال ) ) [3] .
فالإمام أبو حنيفة -رحمه الله- لم يقل هذه العبارة في حق الصحابة رضوان الله عليهم، بل قال عن أقوال الصحابة: تخيرنا ولم نخرج عن قولهم، وقال عن التابعين: هم رجال ونحن رجال، لكن يتنبه هنا أن الأمام أبا حنيفة وُلد سنة ثمانين في عهد صغار التابعين، ورأى أنس بن مالك - رضي الله عنه - لما قدم
(1) من مقابلة أجريت معه، نقلًا عن موقع منتدى التوحيد.
(2) من"المقدمة"للكتاب، وكذا النقل بعده.
(3) شرح مسند أبي حنيفة (ج 1 / ص 181) ضمن المكتبة الشاملة وترقيمه موافق للمطبوع.