فهرس الكتاب
إن خطأ الدكتور في فهم الإيمان بالقدر أدى به إلى هذا الطرح، والمسألة الدقيقة التي تحل الإشكال الذي وقع عنده هي التفريق بين ما يقضيه الله كونًا، وبين يقضيه الله شرعًا، فما يقضيه الله على العباد قضاءً كونيًا فهو واقع منهم، سواء وافق الشرع أو لم يوافق، وما يقضيه الله على العباد شرعًا، قد يتحقق امتثالهم له وقد يتخلف، ولا تعارض بين هذين النوعين من القضاء، لكن الإشكال في عدم التفريق بينهما.
فقضاء الله في قوله تعالى: چ ? ? ? ? ? ? ... ? ں چ [الإسراء: 23] ، هو قضاء شرعي، بمعنى: أمر وأوجب وأوصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، وليس القضاء هنا من القضاء الكوني - الذي هو كائن لا محالة- فليس معنى قضى هنا: حكم.
ولكن الدكتور لعدم تفريقه بين نوعي القضاء أدى به ذلك إلى القول بأن هذه الآية ليست من القرآن، وليست في لوح محفوظ، ولم يسبق علم مسبق من الله بها، وليس لها وجود سابق لإنزالها، فهذا حكمه عليها بأنها من قسم"أم الكتاب"من أقسامه.
قال الدكتور: (( هذه الآية هي من آيات أم الكتاب"الرسالة"وفيها أمر ونهي للإنسان العاقل، فعبادة الله وحده هي أمر للعاقل وقد عطف عليها بر الوالدين.
فإذا كانت هذه الآية هي من القرآن فهي حقيقة موضوعية خارج الوعي ونافذة حكمًا، بغض النظر عن قبولنا لها أو عدم قبولنا، فهي كالموت تمامًا.
وبذلك يصبح معنى الآية كالتالي: إن عبادة الله موضوعيًا نافذة بغض النظر عن وعي الإنسان لها أو عدم وعيه أو كيف يمارسها، فالذي يعبد القمر فقد عبد الله، والذي يعبد الشمس فقد عبد الله .. وهكذا دواليك. لأنه من المستحيل أن يعبد غير الله {لا مبدل لكلماته} ...
لنلاحظ كيف عطف بر الوالدين على عبادة الله حيث قال {وبالوالدين إحسانًا} فإذا حكمنا أن هذه الآية قرآن فهذا يعني أن الذي يضرب والديه أو يجوعهما أو يشتمهما، والذي يطيعهما وتلاطف معهما في الكلام ويبرهما، هما سواء وكلا عمليهما من بر الوالدين لأن الإنسان مهما فعل مع والديه فهو قد بر بهما لأنه موضوعيًا لا يستطيع إلا أن يكون برًا بهما ... )) [1] .
ومن هذا الباب أيضًا نفي الدكتور أن يطلق على شيء من آيات الأحكام: (قال الله) ! ويبن هذا بقوله: (( من هنا وللدقة وجب علينا أن لا نطلق عبارة(قال الله) على الأحكام ولكن نقول:
(1) من مبحث:"القدر في القرآن والقضاء في أم الكتاب". باختصار يسير.