هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن، كالعمل بالعام وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة، وفي جزاء الصيد، ونحو ذلك، فلا تخرج من عمومها ومن عموم"إن الظن لا يغني من الحق شيئًا"إلا ما قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة؛ فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه قاضيًا"بم تقضي؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي"، وهو حديث صالح للاحتجاج به كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد. وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة، ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولًا أوليًا، لأنه محض رأي في شرع الله، وبالناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل، إنما هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع، وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده"ظلمات بعضها فوق بعض"وقد قيل إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلًا. ثم علل سبحانه النهي عن العمل بما ليس يعلم بقوله:"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا"إشارة إلى الأعضاء الثلاثة، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها. وقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك، وأنشد ابن جرير مستدلًا على جواز هذا قول الشاعر:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى... والعيش بعد أولئك الأيام