بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرشد عباده فقال {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله أن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي يقول ( ... وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) [رواه ابن ماجه والحاكم، وهو صحيح] .
فقد بين الله في هذه الآيات وصفين للخليفة، وهما؛ أنه يحكم بين الناس بالحق، والثانية؛ أنه لا يتبع هواه.
وبهذا تعرف؛ إن هذا واجب الخليفة الذي لابد أن يقوم به، فأما من نبذ الحكم بالكتاب والسنة وراءه ظهريًا واتبع هواه ولم يحكم في الناس بشرع الله؛ فقد ضل عن سبيل الله لأنه نسى موقفه بين يدي الله عز وجل حينما يحاسب، لذلك قال الله {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} .
ثم تدبر الآيات؛ تجد كيف أنكر الله عز وجل على من لا يفرقون بين من يسعى لإقامة دين الله ونصرته والإيمان والعمل الصالح، وبين من يريد إقامة سلطانه ويسعى في الأرض فسادًا، لا شك إن أولئك هم المتقون، والآخرون هم الفجار.
وإذا تأملت الحديث، ونظرت في الواقع؛ رأيت أنه قد حصل العمل والنتيجة، فحينما لم يحكم هؤلاء الحكام بكتاب الله ولم يتحروا فيما انزل الله؛ وقع البأس فيما بين المسلمين، فكثرت الفرقة والاختلاف وأصبح بعضهم يسعى لإبطال ما عند الآخر وتفرقوا شيعًا وأحزابا، والله قد نهاهم عن ذلك، ولكن هذا كله من ثمرة تعطيل الحكم بكتاب الله وتحري ما أنزل الله.
واليك الآن؛ بيان ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في مسائل الخلافة التي على منهاج النبوة، والملك الجبري، والبيعة الصحيحة والباطلة، والطاعة متى تجب ولمن تجب، ومسألة الخروج على الإمام وما جاء فيه، وما نعتقده في حكام المسلمين عامة، والمخرج الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن التي نعيش فيها اليوم.
فأقول وبالله التوفيق، ونستمد منه العون لأن يوفقنا في هذه المسألة لقول الحق الذي لإيراد به إلا وجهه، وان يسلمنا من الاستنصار للأنفس أو الخوف من غيره الذي يمنعنا أن نقول بالحق الذي قد ضاع بسبب إسناد الأمر إلى غير أهله، وهذا هو أصل إضاعة الأمانة وقد كنت أبتعد عن الكلام في الحكم ومسائل التكفير، أما الآن فقد أجبرت لدفع التهمة عني وعن اخواني، ولبيان الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أعلم؛ أن مسألة الإمارة والخلافة والولاية على تنوع أسمائها مكانتها عظيمة، ولا تجتمع صفوف المسلمين وتقوم بما لها وما عليها من الحقوق إلا بذلك، ألا وهي القيادة التي تجمع كلمتهم، وتنقسم القيادة إلى قسمين؛
قسم؛ يقود بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا إذا مال أُقيم بالكتاب وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا مال غيره أقامه بالكتاب والسنة، فهذا لا خلاف في وجوب طاعته.
والقسم الآخر؛ لا يقود الناس بكتاب الله ولا يبايعهم على نصرة دين الله، وإنما يقول ولا يفعل ولا يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستن بسنته، وكثيرًا ما يكون في الملك الجبري، فهذا لا بيعة له ولا طاعة، حتى لو حكم له بالإسلام - كما يأتي البيان فيما بعد إن شاء الله تعالى -
وقال الله تعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} ، فجعل الله العاقبة والدار الآخرة للمتقين الذين لا يقصدون العلو والفساد وإنما يسعون لإعلاء كلمة الله وتمكين دين الله في الأرض ليكون ظاهرًا على الدين كله ولو كره المشركون، وكانوا وسطًا بين فريقين
الأول؛ يريد السلطان والعلو في الأرض ولا يقيم الدين، مثل فرعون ومن تشبه به.
والفريق الآخر؛ يريد الدين بلا سلطان، فيكون دين مسكنة ومذلة تحت الذين يريدون العلو والفساد، فهؤلاء لا يسعون لإقامة الجهاد، ولا يحبون ذكره؛ لما في قلوبهم من الذلة، وهذه شعبة من شعب النصرانية، وصفة من صفات النصارى أهل الرهبانية والصوامع.
أما الذي رضيه الله لنا وأمرنا به؛ فهو نصر دينه حتى يكون ظاهرًا على الدين كله، قال الله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ، وقال {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من يعد خوفهم آمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير} .
فالطائفة المنصورة التي على حق؛ هي التي سلمت من هاتين الطائفتين - أهل العلو والفساد، وأهل الذلة والمسكنة -
قال ابن تيمية رحمه الله (وهاتان السبيلان الفاسدتان؛ سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأولى الضالون؛ وهم النصارى، والثانية المغضوب عليهم؛ وهم اليهود، وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل خلفائه وأصحابه ومن سلك سبيلهم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم) [الفتاوى ج28ص348] .
وقد تقدم لك في الآيات قول الله {ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} ، فدل على أنهم قبل التمكين كانوا في خوف ومخافة، ولذا ترى أهل الذلة والمسكنة - الذين سلك مسلكهم كثير من الدعاة اليوم - يريدون الدعوة إلى الحق تسير بلا أذى، وهذا باطل، وأشد من ذلك أن يروا أن في هذا حرجا ومشقة، فخالفوا قول الله {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، فأمرنا بالجهاد والمجاهدة، وأخبر أنه رفع عنا الحرج، فكان الحرج كل الحرج في ترك الجهاد وعدم إقامة الدين.
وأعلم؛ أن غالب المنتسبين إلى الدين والزهد من بعد القرون المفضلة لا يهتمون بهذا الجانب، الذي هو قيام السلطان مع الدين، إلا أن يكون ذلك بالدعاء للظلمة بالصلاح، لأنهم ليس لهم استعداد لأن يقيموا الدين من الجانبين - ألا وهو جانب المجاهدة بالحجة من الكتاب والسنة وبيان سبيل المجرمين والدعوة إلى الحق والصبر على الأذى، وجانب القسوة التي تحملهم على أقامة الجهاد ونصرة دين الله وإقامة دولة الإسلام - بل تجد كثيرًا من هؤلاء يميلون إلى تكميل أحد هذين الجانبين دون الآخر، فيعيشون بمنزلة الأيتام الذين كلما مات لهم ولي بحثوا لهم عن ولي آخر!
وهذا هو السبب الذي صرف الكثير من الناس الذين يحبون العزة ويكرهون الذل عن الدين، لما رأوا رجال الدين في هذه الذلة التي توارثوها، والسلطة والقوة في أيدي غيرهم، أما لما كانت القوة في أيدي أهل الدين الحقيقيين - وهم الأمراء العلماء - دخل في الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما كان على عهده، وفتح من البلاد أكثر مما فتح في عهده.
فلما تغيرت الأحوال ووسد الأمر إلى غير أهله وصار الدين تعبدًا ومسكنًا؛ وجد من يريد العلو في الأرض على الناس سبيلًا لتنفيذ مقصده، وخلا له المجال، ولم يجد من يبين للناس باطله ليحذروه.
ومن عجز عن دفع الباطل بلسانه فلن يستطيع دفعه بالسيف.
وأخذ صنف من المتدينة بشعبة من شعب النصرانية، ألا وهي الرهبانية، فتجدهم عبادًا بالمساجد ينفق عليهم وتبنى لهم الرباطات، حتى أن بعضهم يدخلها وهو شاب ويموت فيها وقد شاخ.
والصنف الثاني؛ عاش تحت أيدي من مضى ذكرهم، يبايعونهم ويسكتون عن باطلهم، وربما أخذوا شيئًا من دنياهم وبنوا بها رباطًا أو مسجدًا، حتى يقال؛ بنى على نفقة الشيخ فلان، فنقول لهذا الشيخ من أين اكتسبت هذا المال؟! هل هو من الفتوحات وإخراج الكفار من جزيرة العرب أم بالعكس بإدخال الكفار مع المسلمين ورفع أعلامهم في جزيرة العرب وقتال من يريد أن يطهر جزيرة العرب من المشركين، ويريد منع الكفار من الدخول، وبتسميتك له خارجي أو من أهل البغي وبسكوتك عن شيء من الحق اذا خالف سياسة من تعيش تحت أيديهم وتدعو لهم على المنابر؟! ولكن إنما يتقبل الله من المتقين.
وهذا الصنف الأخير؛ فيه شبه من أحبار اليهود الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.
فهذا الصنفان هما سبب هدم دين الإسلام وصرف الناس عنه.
وقد لحق بهذين الصنفين المتقدمين من يسمى في عصرنا هذا المطاوعة والمرشدون، فترى المطوع يسير خافضًا رأسه عن مساوئهم، ويتظاهر أن خفضه رأسه من الدين والورع! وهو في الحقيقة من الذل والمسكنة! لأنه لم يفهم منزلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها أخرجت لتغير المنكر لا لتغض الطرف عن المنكر، وهؤلاء اتخذوا من أهل المنكر بمنزلة الوالد، فهم يخفضون لهم جناح الذل من المسكنة، وتجد المنافقين يثنون عليهم ويسمعونهم الثناء، ويقولون فلان دينه زين، لأنه لا ينكر المنكر!
وأما المرشدون؛ فيتكلمون في العبادات كالصلاة والصوم والحج، وأما الأصل - وهي ملة إبراهيم عليه السلام ومقاطعة أهل الباطل والتبري منهم وإنكار المنكر - فإنهم لا يتطرقون إليه، لأنه يبين مخازيهم ومخازي من يعيشون تحت أيديهم، وإن اخطأ من لا سلطة في يده؛ شنعوا عليه! وأما القضاة ومشايخ المحاكم؛ فلا داعي للتطرق إليهم لأنهم قد لحقوا بالسلاطين - وقد بسطت هذا الموضوع أكثر في مختصر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورسالة رفع الالتباس، بالأدلة فراجعه -