الصفحة 4 من 11

إعلم أن من يكون خليفة على المسلمين وإمامًا لهم، يُشترط فيه شروط

الأول أن يكون مسلمًا، والدليل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ، أي من المسلمين.

الثاني أن يكون من قريش.

الثالث أن يكون مقيمًا للدين.

ودليل هذين الشرطين؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم (الأمراء من قريش ما أقاموا الدين) .

وقوله صلى الله عليه وسلم (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجه ما أقاموا الدين) [رواه البخاري] .

وقوله (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى من الناس اثنان) [متفق عليه] .

وما يدل على اشتراط إقامة الدين؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم (وإن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا) [رواه مسلم] .

فجعل شرط السمع والطاعة أن يقودنا بكتاب الله، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين، فإذا لم يقيموا الدين؛ لم يبق فيهم.

وأعلم أنه يشكل على بعض الناس في اشتراط القرشي حديث (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) !

والجواب

أن لفظة تأمر؛ غير موجودة في الأصول، بل جميع ألفاظ الحديث بلفظ وإن أُمر، وإن اُستعمل ... ونحو ذلك، أي إذا كان مؤمرًا من قريش، أما الخليفة والإمام فلابد أن يكون قرشيًا.

وعلى هذا لا يجوز عقد البيعة لمن لم تتوفر فيه هذا الشروط.

وبهذه الشروط تتم البيعة الشرعية، وقد تقدم لك ما بايع عليه الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه هي البيعة التي جاء الوعيد الشديد على من لم يفعلها.

كما في قوله صلى الله عليه وسلم (من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعه؛ مات ميتة جاهلية) [رواه مسلم] .

وأمر آخر في البيعة لا بد منه؛ وهو أن تتم من المبايع بصفقة اليد وثمرة القلب، أي بطوع واختيار.

لقوله صلى الله عليه وسلم (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر) [رواه مسلم] .

واليوم إنما يحكم المسلمين الملك الجبري، الذي ليس مبنيًا على البيعة، وقد خالف شرع الله في عدة أمور منها

1)أن الحكام فيه ليسوا من قريش.

2)أنهم لا يقيمون الدين، بل يهدمونه ويحاربون أهله.

3)أنهم لا يأخذون البيعة من رعيتهم بصفقة اليد ونصرة القلب وطوعه واختياره، بل بالجبر والقهر.

وبهذا تعرف عدم وجوب بيعتهم وطاعتهم.

وأما طاعتهم في غير المعصية؛ فجائز، ولا دليل على أنها تحرم في غير المعصية، لأن الأمر جبري، وليس محرمًا شرعًا، مع أن الأولى - والذي دل عليه الشرع -؛ هو اعتزالهم، لأن وجودهم هلاك للدين وهدم للحق وإحياء للبدعة وإطفاء للسنة، وقد ارشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتزال حينما ذكر غلمة من قريش يهلكون الناس.

فقال صلى الله عليه وسلم (هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش) ، قالوا فما تأمرنا؟ قال (لو أن الناس اعتزلوهم) [رواه البخاري ومسلم] .

واعلم أنه قد جاء في الشرع؛ أنه لا يكون على المسلمين إلا خليفة واحد، فإن بويع لآخر؛ قتل الآخر.

كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [رواه مسلم] .

وأما اليوم؛ فالمسلمون غير مجتمعين على أمام واحد، بل كل دولة عليها وآلي، ولا تستطيع أن تحكم لهم بغير الإسلام حتى يفعل الواحد منهم ما يرتد به عن دينه فيحكم له بالكفر، أما من لم يظهر فيه ذلك؛ فيحكم له بالإسلام كما يحكم للمنافقين بالإسلام مع إنهم في الدرك الأسفل من النار، وما اشبه هؤلاء الحكام بالمنافقين، فتراهم - مع إظهارهم الإسلام - يوالون الكفار والمشركين، ولكن طائفة وآلت وصالحت اليهود، وطائفة وآلت الشيوعية، وطائفه وآلت وصالحت النصارى وآوت المشركين من الشيعة والروافض.

فكل من هذه الدول الإسلامية؛ له نصيب من إظهار الإسلام وله نصيب من موالاة الكفار، وإنما اختلفوا في اتجاهاتهم، وكلهم متفقون على محاربة الحق وأهله إذا خالف سياستهم وسياسة من يوالونهم من أعداء الإسلام، وتستطيع في كل واحدة من هذه الدول أن تدعو إلى جانب من الحق لا تستطيع أن تدعوا إليه في الأخرى.

وإنما يعيش المسلمون تحت حكام جبريين، لا يقيمون فيهم الدين.

أما من خرج من الطاعة؛ فأنت تعلم أن الطاعة لا تجب إلا لمن يقودنا بكتاب الله، أما من يقود المسلمين بالأنظمة المختلفة والقوانين ولا يأخذ من الدين إلا ما وافق هواه، فهذا لا سمع له ولا طاعة، وقد عرفت بطلان بيعته فيما تقدم.

والوعيد على من خرج من الطاعة؛ هو على من دخل في الطاعة ثم خرج منها، فأما من لم يبايع ولم تجب عليه طاعة أصلا؛ فهذا لم يخرج من الطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت