ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في مبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم قال ( ... وعلى أن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) .
فمن هذا يجب على المسلم أن يقول كلمة الحق لا يرده عن قولها رغبة أو رهبة.
وأعلم أن الناس في معاملتهم للحكام والملوك خاصة؛ كثيرا ما يسكتون عما عندهم من الباطل - رهبة وخوفًا منهم - فصاروا يخافون لوم اللائم في القول بالحق وإنكار المنكر، وهذا ضلال مبين وقع فيه الكثير.
وقابلتهم طائفة؛ ابغضوا الحكام، فاشتعلوا بمساوائهم وحملهم ذلك على عدم الاعتراف لهم بالحق إذا أحسنوا.
أما هدى النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا به، فهو كما قال ( ... واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء) - وسيأتي هذا الحديث بكامله إن شاء الله -
وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله أن الله خبير بما تعلمون} .
وإنما يقع في عدم العدل من مال إلى بغض أو خوف أو محبة ونحو ذلك من هوى النفس، فهذا ليس سويًا في مشية على الصراط المستقيم، وإنما ينجو من كان سويًا في نفسه ليس مائلًا إلى هوى، ثم كان يسير على طريق هدى ونور، قال الله تعالى {أفمن يمشي مكبًا على وجه أهدى أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم} ، والمكب على وجهه هو الجاهل الأعمى الذي لا يبحث ولا يتبصر، والسوي هو الذي قد استوى فلا ميل عنده إلى شدة حب أو شدة بغض أو شدة خوف، فليس لنفسه نصيب، إنما مريد للحق، والذي على صراط مستقيم هو الذي على علم وبينة، فإذا أجتمع الاستواء من النفس والطريق عدل ومستقيم ورآه الإنسان؛ فانه ينجو بإذن الله.
والطريق المستقيم؛ هو الكتاب والسنة، ومن أخذ بهما ورد حوض النبي صلى الله عليه وسلم.
لذلك قال (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض) [رواه مالك والحاكم، وهو حديث حسن] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا (ثلاث منجيات، العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية) [رواه الطبراني في الأوسط، وهو حسن] .
فلا بد من أن يعدل الإنسان في حكمه في رضاه وغضبه، وإلا فسيميل به الهوى عن الصراط المستقيم، ولذلك رأيت هاتين الفرقتين، كيف أضل تلك الخوف والرجاء من الحكام، وأضل الأخرى البغض والكراهية.
وقد ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله، فقال (فهذا قسم كثر في دول الملوك إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم وقضاتهم وعلمائهم وعبادهم، أعني أهل زمانهم، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة، فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوا من الأمور المنهي عنها فذموهم وأبغضوهم، وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأمور بها فأحبوهم، ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات، والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات) [الفتاوى ج35ص30] .
وأعلم أن بعض أصحاب المداهنات مع الملوك والحكام يحتجون بحديث مسلم، حينما سأل رجل فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال (اسمعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ماحملتوا) ، وحديث قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنكم سترون بعدي أثرة وأمور تنكرونها) ، قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال (أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم) .
فلا ينكرون على الحكام، ويحتجون بهذا.
وليس لهم في هذا حجة، فإن هذا الحديث - وما في معناه - في مسألة حقوق النفس - كاستئثار الحكام بالغنيمة أو الفيء ونحو ذلك - أما الدين؛ فليس من حقوق النفس التي يصبر على الأثرة فيها، ولذلك ترى في الحديث أنهم سألوا قالوا (يمنعونا حقنا) ، فأما إذا كان الحق لله؛ فلا إذ الواجب الإنكار على من لا يقيم شرع الله عز وجل.