والمخرج من ذلك
الحديث الأول
عن حذيفة رضي الله عنه قال كان الناس يسالون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال (نعم) ، قلت وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال (نعم وفيه دخن) قلت وما دخنه، قال (قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) ، قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) ، قلت يا رسول الله صفهم لنا، قال (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) ، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال (اعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) [متفق عليه] .
الحديث الثاني
عن حذيفة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون هدنه على دخن، ثم تكون دعاة الضلالة، فإن كان لله يومئذ في خليفة فألزمه، وإن نهك جسمك واخذ مالك، وان لم تره فاضرب في الأرض، ولو أن تموت وأنت عاض على جذع شجرة) [رواه أحمد وابو داود، وهو حديث حسن] .
الحديث الثالث
عن عوف بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعدد ستًا بين يدى الساعة؛ موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم إستفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا تدع بيتًا من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنى عشر ألف) [رواه البخاري] .
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كنا قعودًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال (هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء؛ دخنها من تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أؤليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء؛ لا تدع أحد من هذه الأمة إلا لطمته لطمه، فإذا قيل إنقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمن ويمسى كافرا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلك؛ فانتظروا الدجال من يومه أو من غده) [رواه ابو داود، وهو حديث صحيح] .
الحديث الخامس
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عنكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم؛ فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل) [رواه الحاكم والطبراني، وهو صحيح] .
الحديث السادس
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ويحدثون البدع) ، قلت فكيف اصنع؟ قال (تسألني يا أبن أم عبد كيف تصنع؟! لا طاعة لمن عصى الله) [رواه الطبراني في الكبير، وهو حديث صحيح] ، وفي لفظ عند أحمد وابن ماجه (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها) .
الحديث السابع
عن أبي سعيد وأبي هريرة رضى الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم؛ فلا يكونن عريفًا، ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا) [رواه ابن ماجه، وسنده صحيح] .
الحديث الثامن
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فكان من خطبته أن قال (ألا أني اوشكت أن أدعى فأجيب، فيليكم عمال من بعدي يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون ما لا يعملون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على اعضادهم؛ فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسئ) [رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد الكبير، وهو حديث صحيح] .
الحديث التاسع
عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويتعبدون بأمره، ثم خلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده؛ فهو مؤمن، فمن جاهدهم بلسانه؛ فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه؛ فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [رواه مسلم] .
الحديث العاشر
عن معاوية رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون أمراء يقولون ولا يرد عليهم، يتهافتون في النار، يتبع بعضهم بعضًا) [رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى، وهو حديث صحيح] .
أعلم يا أخي؛ أن هذه الأحاديث الصحيحة يزداد بها المؤمن بصيرة بالواقع الذي يعيش فيه في هذا الزمان، إذ فيها بيان صفة أمراء السوء، وتحديد الموقف الذي يجب أن نتخذه معهم ومع الناس الذين في زمنهم ما يثبت معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في اخباره بالمغيبات التي نراها اليوم أمام أعيننا، وقد ذكرنا الحديث الثالث والرابع في رسالة الفتن - الموجودة في السبع الرسائل - ويتضح المعنى بالأحاديث التي ذكرناها هناك، والتي يطول بنا ذكرها هنا، والمقصود انك تجد هناك في الحديث [9 و14، ص 16 - 17] .
وإليك نصها
1)عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون لا والله لا نخلى بينكم وبين اخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلثهم لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان؛ أن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم - عليه أفضل الصلاة والسلام - فأمهم، فإذا رآه عدو الله؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) [رواه مسلم] .
2)عن يسير بن جابر، قال هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة! قال فقعد وكان متكئًا، فقال (إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمه) ، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال (عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام) ، قلت الروم تعني؟ قال (نعم، ويكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفئ هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفئ هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع؛ نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتتلون مقتلة - أما قال لم يرى مثلها - حتى أن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقى منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك، إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ؛ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم والوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ) [رواه مسلم] .
فتجد في هذين الحديثين؛ أن خروج الدجال يكون قبله غدر الروم والقتال، وهنا في الحديث الثالث - حديث عوف بن مالك - تجد فيه ذكر غدر بنى الأصفر - وهم الروم، أي النصارى - وأن قبل هذا الغدر؛ الهدنة.
وفي الحديث الرابع - حديث ابن عمر -؛ تجد فيه ذكر الدجال وقرب خروجه بعد فتنة الدهيماء، التي تكون بعد اصطلاح الناس على رجل، وهذا الاصطلاح المراد به الهدنة التي تكون قبل الغدر والدجال - كما بينا في رسالة الفتن -
و فتنة الدهيماء؛ هي التي يصبح فيها الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا، وهي التي لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمه، وهي التي تكون بعد اصطلاح الناس مؤمنهم وكافرهم على هذا الرجل - الذي هو الملك عبد العزيز - كما يتبين لك من الحديث، وراجع رسالة الفتن يتضح لك الأمر أكثر، وبعد هذا الاصطلاح وهذه الهدنة التي فيها دخن - أي التي ليست صافية من الشر - تكون دعاة الضلالة، كما يتبين لك من حديث حذيفة الثاني (تكون هدنة على دخن، ثم تكون دعاة الضلالة) ، ودعاة الضلالة هؤلاء هم الدعاة على أبواب جهنم الذين من أجابهم إليها قذفوه فيها، والذين تجدهم في الحديث الأول.
وقد ذكر قبلهم في الحديث الثاني؛ الدخن، الذي ذكره أيضًا قبلهم في الحديث الأول، حيث قال (نعم، وفيه دخن) ، قلت وما دخنه؟ قال (قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) .
فإنك تجد هذا الوصف منطبقًا على الناس اليوم، فكم من الجماعات وكم من الدعاة الذين يدعون الناس ويهدون، ولكن بغير هدى النبي صلى الله عليه وسلم، ويستنون بغير سنته، بل الذي ينصر ويحيي السنة منهم قليل، وتعرف منهم أمورًا وتنكر منهم أخرى.
وهذه الصفه فيهم واضحه من حين استقر حكم الملك عبد العزيز في الجزيرة، حيث تجد الناس على جهل كبير بالسنة، وتجدهم يهدون ويدعون إلى الدين ولكن بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرف منهم أمورًا وتنكر منهم أخرى، وهذا فيهم واضح جلي لمن عرف الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان الذي يعتمدون عليه في هداية الناس ودعوتهم وفي تغيير المنكر والأمر بالمعروف يميل إلى الشدة والتنفير والغلظة، ويستحسنون هذا مجرد استحسان، وإلا فليسوا فيه على سنة ثابتة، ولذلك تراهم حينما ساروا على غير سنة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت ما كانوا عليه، بل عاد أمرهم في آخره إلى التراخي والمداهنة والسكوت عن المنكر حتى خلا المجال للشر وأهله.
هذا، وأما الحكم والملك الذي في وقت هذا الخير الذي فيه دخن وبه كانت الهدنة التي على دخن؛ فدخنه واضح أيضًا مع موالاة الكفار والمشركين، ومع هذا ترفع راية التوحيد ويُقتل من أهل التوحيد من طالبوا بمواصلة الجهاد في سبيل الله! ولكن ضعفاء البصائر - لقلة علمهم - يرون الخير من قيام دولة الإسلام ورفع راية التوحيد، ولا يرون دخنه من تعطيل الجهاد وموالاة النصارى للمصالح الدنيوية.
وبهذا تفقه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (غير الدجال اخوف على أمتي، الأئمة المضلون) [رواه أحمد، وهو صحيح] .
فوالله للدجال أهون علينا منهم، فإن الدجال ظاهر أمره، أما هؤلاء فملتبس أمرهم على كثير من الناس بأسباب من يعيش تحت أيديهم من مشايخ المداهنة والمعاش والرواتب والمراتب، وبأسباب من يدعو إلى الله على جهل وضلال، فيهدي بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويستن بغير سنته.
وبعد هذا كله؛ فهل تجب طاعة هؤلاء الأئمة المضلين الذين هم أخطر من الدجال، وتجب مبايعتهم؟! نعوذ بالله من الجهل والهوى.
وإذا تبين لك هذا كله، ونظرت في الأحاديث الباقي؛ ة عرفت كيف تنطبق عليهم، وماذا يجب علينا تجاههم.
ففي الحديث الخامس؛ ترى كيف يعرفوننا ما ننكر وينكرون علينا ما نعرف، والموقف معهم (لا طاعة لمن عصى الله) .
وكذلك في الحديث السادس؛ وصف ينطبق على كثير من أمراء هذا الزمان، ومن انطبق عليه فالموقف هو نفس الموقف؛ (لا طاعة لمن عصى الله) .
وفي الحديث السابع؛ تزداد بصيرة لا نطباقه على كثير منهم؛ (يقربون شرار الناس) ، و (يؤخرون الصلاة عن مواقيتها) ، والموقف؛ تحريم العمل عندهم عريفًا - أي أميرًا - أو شرطيًا أو جابيًا أو خازنًا.
والحديث الثامن؛ هو الذي يجلي لك حقيقة أمرهم، وهو أنهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فأقوالهم وأعمالهم مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لجهلهم بالسنة وعدم تعلمهم لدين الله تعالى، ثم أخبر فقال (فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم؛ فأولئك قد هلكوا وأهلكوا) ، وهذا يدل على الوعيد الشديد على من شد على أعضادهم ووازرهم وناصحهم.
وإن كان بعض أهل الأهواء أو غيرهم من الجهال يجادلون ويقولون؛ نحن لا نشد على أعضادهم! فنقول لهم هل قمتم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن تشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء، فالشهادة ظاهرة وليست مختفية في القلب، فهل يومًا من الأيام قلت؛ أيها الموظف للرئيس أو الأمير أو الوزير أو الملك أنت مسيء في هذا العمل المخالف للشرع؟ وهل نهيتم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم على كل من يعمل شرطيًا أو أميرًا أو جابيًا أو خازنًا عند أمير يقرب شرار الناس ويؤخر الصلاة عن مواقيتها أم لا؟ وهل عملتم بما جاء في الحديث التاسع؛ عن المجاهدة باليد واللسان والقلب؟
الواقع؛ انكم بخلاف هذا كله، لا سيما من كان من أهل العلم، فبأسباب معصيته في الشد على أعضادهم اغتر به من يقتدي به من عامة المسلمين، وإلا فوالله لو أن المرشدين كما زعموا في دار الأفتاء والحرس والجيش وغير ذلك؛ بينوا تحريم هذه الأعمال عند أولئك الأمراء، لتبصر الكثير من محبي الخير ولعرفوا دينهم وأرضوا ربهم، ولكن والله لو فعلوا؛ ما تركهم هؤلاء الأمراء - الذين لم يستقيموا لا في العلم ولا في العمل - ما تركوهم ليلة واحدة وهم تحت أيديهم في أحسن المساكن وأفخم المراكب، ولكن الله المستعان.
وبهذا ترى صدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال (فأولئك قد هلكوا واهلكوا) .
وقد رأينا حينما ننصحهم؛ انهم يحتجون علينا بالشيخ عبد العزيز بن باز وأمثاله، فنقول؛ المعروف عن الشيخ - حفظه الله وعافاه - أن انكاره غالبًا إنما هو جواب عن السؤال إذا سئل، أما أن يبادر إلى إنكار المنكر - مع انه ركن من أركان الدولة - فذاك لو أنهم أبقوا مكانته عالمًا يعلم الناس الخير، لكن إنما هو الآن موظف إداري، ويخدعونه بـ أبونا و والدنا و شيخنا وغير ذلك من إطراءات المنافقين، وإنما يأخذون منه ومن علمه ما وافق أهواءهم، فإذا خالفهم بالحق لم يتحرجوا في مخالفته ورد الحق، وهو يعلم ذلك جيدًا، نسأل الله أن يزيدنا وإياه بصيرة.
ونحن نعلم أنهم إنما جعلوا في مثل هذه المنزلة؛ الشيخ ابن باز وأمثاله ممن يثق الناس بدينهم وعلمهم، اختاروهم من غير المبصرين لئلا يروا كثيرًا من المنكرات، وإذا لاقوهم تدهنوا بالطيب وقبلوا جباههم وداهنوا معهم ونافقوا حتى يزيلوا ما في أنفسهم إن كان قد وصل إليهم شيء من أخبارهم السيئة، ولكن هذه من مداخل الشيطان التي يدخل بها على من يقتدي الناس به من علماء المسلمين؛ ليضلوا ويُضلوا.
وإن كان هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تستصعبه ويكبر على النفوس الدنيوية التي تعلقت بالوظائف الحكومية ورأت أنها مصدر الرزق الوحيد، مع أنهم لا يعيشون فيها إلا على حساب الدين بالمداهنة وعدم إنكار المنكر من جلسائهم ورؤسائهم والقوانين والمواد والأنظمة التي يسيرون عليها، وإذا بينت للواحد منهم أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ، فإذا قلت له (طيب، أطع الله والرسول، هذا أمر الله ورسوله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه الآية التي تستدل بها يقول الله فيها {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} ، ولم يقل ردوه إلى أولى الأمر) .
إذا بينت له هذا قال لك الذنب على الدولة، فإذا قلت له (كلا، فجنود فرعون هلكوا مع فرعون، كما قال الله {فنبذناه وجنوده في اليم} ، وقال {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} ) ، إذا أجبته بهذا وقطعت حجته؛ ظهر لك الخافي منه - وهو ضعف الإيمان وضعف الخوف من الله عز وجل - فيقول كلامك صحيح، ولكن هذا النظام، وايش نسوي، ما نقدر نخالف النظام)، ولكن يخاف من مخالفة النظام، فإلى الله المشتكى؛ كيف يخاف من مخالفة النظام ولا يخاف من مخالفة أمر الله عز وجل؟! قال الله تعالى {أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أن كنتم مؤمنين} .
والحديث التاسع؛ فيه وصف ينطبق على الناس والحكام في هذا الزمان، وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (ثم تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون) ، فهذا وصف أهل هذا الزمان إلا من هداه الله، ممن يأخذون بالسنة ويتقيدون بالأمر، كما هو وصف حواري وأصحاب الأنبياء.
والموقف الذي يحب اتخاذه معهم؛ هو مجاهدتهم على تغيير هذين المنكرين العظيمين - وهما القول بلا فعل، والفعل على غير أمر وسنة - مجاهدة باليد واللسان والقلب، كما جاء في حديث تغيير المنكر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [رواه مسلم] ، وفي هذا الحديث قال (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .
والواقع الذي لا ينكر؛ انك إذا سألت الواحد من هؤلاء الناس ما دليلك على هذا الفعل؟ وهل عندك عليه أمر من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ احتج عليك بالحجج المختلفة، مثل كل الناس على هذا، أو هكذا يفعل الشيخ فلان، وأكبر حجته أن يقول الشيخ افتاني بهذا.
وخلاصة حججه هذه كلها على اختلافها؛ أن يبرر موقفه، حيث فعل بلا أمر، والقول بلا فعل؛ يتجلى لك في كثير من الأمور، ومن أهمها قول الكثير من الناس؛ نحن نغير المنكر، ونحن نتبع السنة، ونحن لا نرد الحق، ونحن لا نطيع الحكومة في معصية الله، وغير ذلك، فإذا نظرت إلى حقيقة أقوالهم؛ وجدتهم يقولون ما لا يفعلون.
وفي الحديث الأخير؛ ترى كيف ينطبق هذا الوصف على كثير من الأمراء، وهو انهم يقولون ويتكلمون بالباطل، ولا يستطيع أحد أن يرد عليهم لخوفهم وهيبتهم والرهبة منهم، فأولئك يتهافتون في النار، جزاء وفاقا، نسأل الله العافيه.
كما نخاف على من يعمل في الشرطة اليوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم (سيكون في آخر الزمان شرطة، يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله) [رواه أحمد وغيره، وهو حديث صحيح] .
هذا، ولكي تزداد بصيرة بالواقع الذي تعيش فيه تأمل في هذين الحديثين، وهما
1)عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وأن أمتكم هذه جعل عاقبتها في أولها، وسيصيب أخرها بلا وأمور تنكرونها، وتجئ الفتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن؛ هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن؛ هذه، هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليات إلى الناس الذي يجب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر) [رواه مسلم] .
2)عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يمسي الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) [رواه مسلم] .
وقارنهما بما جاء في الحديث الرابع الذي تقدم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمه، فإذا قيل انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده) [رواه أبو داود وهو حديث صحيح] .
فإذا تأملت وجدت قوله (سيصيب أخرها بلاء وأمور تنكرونها) ، كقوله (فتنا كقطع الليل المظلم) ، كقوله (فتنة الدهيماء) ، لأن الدهيماء فيها معنى الظلمة وعدم الوضوح كظلام الليل، وهذه الفتن هي البلاء والأمور التي تنكر، ثم فصلها فقال (تجئ فتنة فيرقق بعضها بعضا) ، أي يُبسط بعضها بعضا، كل ما جاءت الفتنة الأعظم قالوا التي قبلها أبسط منها وأرق منها، وهذا المعنى موجود في قوله (فإذا قيل انقضت؛ تمادت) ، أي انها تتمادى كلما رجى الناس انها تنقضي؛ تزيد، فيرقق ويبسط أخرها أولها، ولا ينقضي هم أولها حتى تزيد، وهذا هو الذي يجعل المؤمن يخاف أن يفتن في دينه فإذا جاءت الفتنة ووردت قال؛ هذا مهلكتي، فإذا انكشفت وجاءت التي بعدها قال (هذه، هذه) .
ثم قوله (لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمه) ، يشهد له قوله (فيقول المؤمن؛ هذه مهلكتي) ، أي أنها لا تترك أحدًا إلا لطمته، إذ حتى المؤمن أصابه من وهجها وفتنتها حتى خاف الهلاك.
ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد النجاة؛ أن تأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، خوفًا أن يكفر، لأنه وصف هذه الحالة في الحديث الآخر؛ بانه يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، وفي الحديث الآخر؛ بأن الفتن كقطع الليل المظلم يمسي الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا، ثم ذكر أن نهايتها انقسام الناس إلى فسطاط إيمان وفسطاط نفاق، مما يدل على أن هذه الفتن إنما ينقسم الناس فيها إلى النفاق - الذي هو كفر في الحقيقة وإسلام في الظاهر - وهذا كما نرى الناس واقعين في مقدماته اليوم، فالذي يترك دينه منهم ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ إنما يلجأ إلى النفاق ليعيش به بين الناس الذين يجد النفاق له فيهم مجالًا، لكثرة الفتن التي أحاطت بهم، حتى لا يميز الكثير منهم بين الطيب والخبيث، كما نرى الكثير من أعداء الحق يعيشون بين المسلمين اليوم بالنفاق الذي يرضي به جميع من حوله، وبان لك أن سبب هذا هو الدنيا فيبيع المؤمن دينه بعرض من الدنيا، وهذا الذي يخشاه المؤمن من انفتاح الدنيا اليوم وغرق الناس فيها.