الصفحة 5 من 11

أعلم أنه قد ضل كثير من الناس بأسباب الجهل في اعتقادهم؛ أن من يخرج على الإمام الذي اجتمع عليه المسلمون يحكم عليه بأنه خارجي، وإن كان معه طائفة بأنهم خوارج!

وهذا خطأ واضح، فإن الخوارج هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويُخرجون من الإسلام أهل المعاصي، ويتشددون في الدين بغير ما أنزل الله، وقد اخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهم الذين إذا فعل الرجل معصية؛ حكموا عليه بأنه كافر مخلد في النار، ومذهبهم معروف - نبرأ إلى الله منه ومن أهله -

وأما الذي يخرج على إمام المسلمين ويقاتله؛ فهو عاص، معتد، ظالم، يجب قتله وردعه عن ظلمه.

وإنما نبهنا على هذا؛ لأن كثيرًا من الناس يحكم على هذا بحكم الخوارج، مع الفرق الكبير بين مذهب الخوارج وبين من يخرج من طاعة الأمام، فمذهب الخوارج؛ كفر، والخروج على الإمام ومنازعته؛ ظلم يجب ردع صاحبه عنه وقتله، والخارج من طاعة الإمام الشرعي؛ عليه وعيد شديد بأن ميتته جاهلية، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.

واعلم أن هذا الخطأ له اصل قد اخطأ فيه بعض فقهاء المذاهب من قبل، كما ذكر ابن تيمية وبين خطاهم أيضًا في حكمهم على من لا يبايع الإمام أو يخرج من طاعته بأنهم بغاة ويحكمون عليه بحكم الخوارج، مع أن الذي جاء في السنة في حق من ينازع إمام المسلمين؛ الخلافة، أنه يقتل، وأما من لم يبايع أو خرج من الطاعة؛ فإنما عليه وعيد شديد - كما تقدم - وليس من دليل على قتله وقتاله.

وإليك كلام أبن تيمية قال رحمه الله ( ... وهذا يعني الحكم على من خرج عن الطاعة بحكم الخوارج، تجده في الأصل من رأى بعض فقهاء الكوفة واتباعهم، ثم الشافعي وأصحابه ثم كثير من أصحاب أحمد؛ الذين صنفوا في باب قتال أهل البغي نسجوا على منوال أولئك؛ تجدهم هكذا، فإن الخرقي نسج على منوال المزني، والمزني نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن، وإن كان ذلك في بعض التبويب والترتيب، والمصنفون في الأحكام؛ يذكرون قتال أهل البغي والخوارج جميعًا، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتال البغاة حديث إلا حديث كوثر بن حكيم عن نافع، وهو حديث موضوع - أي مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم - وكذلك في ما أظن؛ كتب مالك وأصحابه ليس فيها باب قتال البغاة، وإنما ذكروا أهل الردة وأهل الأهواء، وهذا هو الأصل الثابت بالكتاب والسنة، وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة - يعني الخوارج - فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة أمام معين - يعني الذي لا يبايع، أو يبايع ويخرج عن الطاعة - فليس في النصوص أمر بذلك) [الفتاوى ج4ص450] اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت