الصفحة 8 من 11

وبعد هذا كله، والذي نعتقده في حكام المسلمين اليوم، والذي يظهر من الأدلة المتقدمة؛ أن هؤلاء الحكام ينطبق على كثير منهم ما ذكره ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي في الفصل قبل هذا، وأنهم ليس لهم على المسلمين بيعة ولا يجب عليهم لهم طاعة، ومع ذلك لا يلزم من هذا كله تكفيرهم، بل من أظهر منهم الإسلام حكمنا له به، حتى تثبت عنه فنحكم عليه بالكفر، مع اعتقادنا أن بقائهم اليوم؛ هدم لدين الله عز وجل ولو كانوا يدعون الإسلام، نسأل الله أن يريحنا منهم أجمعين.

أقول هذا، مع شدة بغضنا لمن شد على أعضادهم من أهل العلم خاصة، ونعتقد أنهم سبب الشر للحاكم والمحكوم، لأنها لا تجتمع ولا تتفق طائفة حق وطائفة باطل يسيرون صفًا واحدًا، ولا يعمل أحدهما على إزالة الأخرى إلا بوجود من يجمع بينهما، وذلك بمداهنة من فوقه والتلبيس على من تحته، فإن أراد شخص أن ينصح المحكوم قالوا ما أنت بأعلم من الشيخ فلان [صاحب] المنصب الفلاني، وأن أراد أن ينصح الحاكم قالوا عندنا من هو أعلم منك، وعلى هذا استقام حكم أكثر الدول.

وامتازت دولتنا بقسط وافر من هذا التلبيس - منها ومن علمائها - والتي تسمي نفسها اليوم بـ دولة التوحيد، وإنما وحدت بين صفوف المسلمين والنصارى والمشركين، وأقرت كلا على دينه - كالروافض - وحاربت من خالف ذلك، وقاتلت من قاتل المشركين الذين يدعون عليا والحسين، وقد حاربت كذلك عبادة القبور والقباب وأرست قواعد عبادة الريال.

وقد جاء في الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخمصية، تعس عبد الخميلة، أن أعطى رضى، وأن لم يعط سخط ... ) [رواه البخاري] .

وبسبب عبادة المال يكفر الرجل بعد إيمانه، كما تقدم لك في حديث (يبيع دينه بعرض من الدنيا) .

ولم تستطع هذه الدولة أن تفعل ما تفعله من التلبيس والتدليس إلا لأن رعيتهم ومن هم في قبضة أيديهم كأرنب دفعت عليها [الكلاب] لأصطيادها وقتلها، ومن كانت هذه صفته فهو يستحق ما يناله، ولذلك تجد المغرورين من هذه الرعية؛ رؤساء في الدنيا، أتباعًا في الدين لكل ناعق.

وتجد حكمهم وسلطانهم؛ قائمًا على ثلاث قواعد من حيث معاملة أهل العلم والدين.

إن وافقتهم وسكت عن باطلهم؛ قربوك واتخذوك حجة على من خالفهم.

وان سكت عنهم؛ سكتوا عنك، وربما زاروك وأرسلوا لك الهدايا، وذكروا في حقك هذا الحديث (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) [رواه البخاري] ، وهي كلمة حق أريد بها سكوت عن باطل.

وإن خالفتهم؛ قتلوك بشبهة يسكتون بها الأرنب، فيقولون؛ هو خارجي، مع أن أرنبهم لا تعرف معنى الخارجي.

وأقرب مثال وأوضحه؛ مؤسس دولتهم الملك عبد العزيز والمشايخ الذين كانوا معه في سلطانه، وهم ما بين موافق له ومعزز له بما يشاء، وآخر ساكت عن باطله، وآخر التبس عليه الأمر، فقد دعا الأخوان رحمهم الله الذين هاجروا في القرى المختلفة هجرة لله عز وجل، دعاهم إلى بيعته على الكتاب والسنة، فكانوا يجاهدون ويفتحون البلاد، ويرسلون له بما للإمام من الغنائم والخمس والفيء ونحو ذلك، على أنه إمام المسلمين، ثم لما استقر سلطانه وحصل مقصوده؛ وآلى النصارى، ومنع مواصلة الجهاد في سبيل الله خارج الجزيرة، فلما خرجوا لقتال المشركين في العراق الذين يدعون عليًا وفاطمة والحسن مع الله؛ لقبهم هو ومشايخ الجهل الذين معه، لقبوهم باسم يكرهه أهل الإسلام، وهو الخوارج.

وقد تقدم لك أن هذه التسميه لا أصل لها في الشرع في اطلاقها على الذي يخرج على الإمام، مع أن الأخوان رحمهم الله لم يخرجوا عليه ولم يخلعوا يدًا من طاعة، وإنما لم يطيعوه حينما نهاهم عن الجهاد.

وهذا هو الواجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الطاعة في المعروف) [متفق عليه] .

وقوله (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) [رواه أحمد، وهو حديث صحيح] .

فتبين لك ضلالهم في حكمهم على من خالفهم انه خارجي، ولكنهم يلبسون على عوام المسلمين الذين لا يتبصرون في دينهم، ويجدون من مشايخ الضلال من يعطيهم الفتاوى بلا تورع ولا تقوى، وليس لنا مراد في الخوض في الأموات فقد أفضوا إلى ما قدموا.

ولكن لأمرين

الأمر الأول

دفع الشبهة عن أخواننا الذين جاهدوا في سبيل الله وكانوا صادقين مع الله، ثم مع ذلك تلبسهم هذه الدولة وعلماء السوء؛ لباس الخوارج المارقين مع دين الإسلام، حتى إنك لتجد اليوم من أهل الخير الملتبس عليه أمرهم من لا يترحم عليهم - سبحانك هذا بهتان عظيم - وإنما هم رحمهم الله - كما أشرنا لك إلى طرف من أخبارهم - ولكن إن أردت المزيد من أخبارهم والتثبت في ذلك؛ فستجد اليوم من هو على قيد الحياة من إخوانهم الذين جاهدوا معهم، ويعرفون حقيقتهم، حتى لا تغتر بثناء الحكام على أنفسهم وتشنيعهم على من خالفهم، ولا غرابة في ذلك من أهل مُلك يريدون تثبيت ملكهم، وإنما الغرابة ممن يدعى الصلاح والخير ثم يتهم المؤمنين بما هم منه أبرياء.

وبعدما لقبهم بـ الخوارج، حمل إخوانهم الذين لم يخرجوا معهم عن قتالهم، فخرج بهم على طريقهم وبدأهم بالقتال، فلما التقوا في ساحة القتال؛ حمل كل من الفريقين على الآخر وكل منهم ينتخي ويقول (صبي التوحيد، وأنا اخو من طاع الله) ، فيالها من مصيبة دامية، وقبل ذلك أرسل للشريف حسين بكتاب يقول فيه (حسين يا خوي، أنت في نحورهم وأنا في ظهورهم) .

فلما قتلهم وشتتهم واستقر سلطانه الجبري؛ والى النصارى وعطل الجهاد في سبيل الله، وانفتح من الشر أبواب مغلقة، ثم واصل السير على نهجه أبناؤه من بعده، حتى وصلت بلاد المسلمين إلى ما وصلت إليه اليوم من الشر والفساد، فنقول الآن؛ أين الحكم بالكتاب والسنة الذي أدعوا الحكم به أول ملكهم ويدعيه كل من تجددت له بيعة منهم؟! أم أن الأمر كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتقدمه في الفصل قبل هذا؟

وإن طالت بك حياة؛ لتجدن الولد يشابه أباه ويشعلون الحروب بين المسلمين ويُسيرون بعضهم على بعض.

الأمر الثاني

حملنا على الكلام في تاريخ هذه الدولة مع أهل الحق الصادقين وتلقيبهم بالخوارج تلبيسًا على العوام الجهال؛ أنه لا يزال إلى اليوم من هو على هذه الضلالة من مشايخ الجهل والضلال، ويعتقدون أن الأخوان الماضيين؛ خوارج ويسمون، من يدعو إلى الحق الذي جاء في الكتاب والسنة اليوم؛ خوارج، ويُفتنون بقتله، ولو شئنا لذكرنا أسماء هؤلاء المشايخ، ولكن عسى الله أن يبصرنا وإياهم في الحق الثابت بالكتاب والسنة، وإلا وجب علينا التحذير منهم وذكر أسمائهم ليحذرهم المسلمون.

أعود فأقول هذه القواعد الثلاث هي التي يتخذونها مع أهل العلم والدين - وهي أن توافقهم، أو تسكت عنهم، أو يقتلونك -

وهذه هي الأسباب التي حملتني على ألا أواجههم وأبين لهم الحق، لأني عرفت ما عندهم في من خالفهم، وأنهم لا يحبون الناصحين بل يقتلونهم، وأنا لا أريد قربهم ولا أريد السكوت عنهم وعن الحق، فلم يبق إلا الثالثة.

وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في الصحيحين - (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) .

فنحن نعرف ما فعلوا فيمن قبلنا ممن خالفهم من أهل الحق، فقد قتلوهم بالشبه المتقدمة.

ولنا في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة فإنه لما القوه في النار ونجاه الله منها لم يعد إليهم مرة ثانية لأنه علم ما عندهم، وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم لما عزم الكفار على قتله - كما في حديث سراقة في البخاري - لم ينتظر حتى يفعل به مثل ما فعل بإبراهيم فيُلقى في النار، وقد ذكر الله في القرآن أنه أرسل رسولًا ثالثًا مع الأثنين لتعزيزهما وتصديقهما، فلما قتلوا الرجل الذي أسلم؛ أرسل الله عليهم صيحة فأهلكهم، كما في سورة يس، قال تعالى {واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية اذ جاءها المرسلون اذ ارسلنا إليهم أثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ... } ، إلى قوله {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} .

فهذا هو الذي شرعه الله لنا - كما ترى في هذه الأدلة - فافهم ولا تنخدع بحملة الفقه وبمن ياخذ بجانب واحد من الكتاب والسنة ويقول هذا من الجبن والخوف والذل، مع انك تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اختفى في الغار لما عزموا على قتله، ولكن المصيبة هي الجهل بالسنة.

ولا تنخدع بعناوين الكتب العصرية، كقولهم كيف تدعو؟!، وكان الأولى أن يقول كيف نعيش!، وقد ذكرت الرد عليه في التعليق على الحسنة والسيئة، فنحن قد علمنا الله كيف ندعو، وهو أن ندعو على بصيرة - وهي العمل بكل ما جاء في الكتاب والسنة - بخلاف من يبحث في الكتاب والسنة عن حجة تفسح له المجال للعيش بين أهل الباطل والسكوت عن باطلهم، ويدندن بهذه الحجج على أتباعه ويسميها بـ الحكمة.

وإنما الحكمة؛ العمل بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى، قال الله تعالى {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة} ، وقال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة انا ومن أتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} .

ولذلك فالسلامة مع هؤلاء الحكام الذين يقولون بغير علم، ويعملون بغير بصيرة؛ هو الابتعاد عنهم، وإذا سُئل عن شيء من الدين أجاب بالقول الصحيح، ولا يعينهم على الباطل أو يسكت عنه فيشد على أعضادهم، كمن يخادعون الله ويخدعون أنفسهم، ويقولون {لكم دينكم ولي دين} ، فإن هذا في حق الكفار الذين أمرك الله أن تُبدي العداوة لهم وتبشرهم بالنار وتناديهم باسم الكفار، كما أمر الله نبيه في أول هذه السورة، فقال {قل يا أيها الكافرون} .

أما هؤلاء الذين تعمل عندهم؛ فهم يظهرون الإسلام، وقد أمرك الله مفارقتهم بعملك، كما في الحديث (وزايلوهم بأعمالكم) ، أي فارقوهم، لا أن تكون أعمالكم واحدة وأعمالهم واحده، اذ أنهم لا بد أن يخضعوا كل عمل - ولو كان عمل خير - لمنهجهم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم (يطفئون السنة) و (يعملون بالبدعة) .

وهذا مشاهد اليوم لمن رزقه الله البصيرة، فتجدهم يُظهرون الدين في ثوب المذلة والمهانة والاستهزاء والبدع، كما ترى في وزارة الحج والأوقاف ودار الأفتاء وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووزارة الأعلام بجميع وسائلها ونحو ذلك.

فهذا هو المنهج الحق؛ وهو بيان الحق وإنكار المنكر، وعدم الشد على أعضادهم، فإنهم على أقل الأحوال لا يبالون بنصح ولا ناصح.

فخير من ينكر عليهم اليوم هو الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، ولكنه مستمر في الإنكار وهم مستمرون في المنكر، وهكذا فهم يقلبون السفينة في الموج لتغرق، وهو متعلق فيها ينادي بالنجاة، والسفينة لا تزداد إلا اضطرابًا، فعسى الله ينجينا وإياه قبل أن تغرق السفينة، وإلا فما نرى لأصحابها همة في النجاة بها لأنهم يزيدون كل يوم تعمقًا بها في غياهب الأمواج وعازمون على الغرق، نسأل الله العافية.

مع أن مخالطة الناس لا بد فيها من إنكار المنكر، فإن سكت وأنت تستطيع أن تنكر بلسانك؛ فسكوتك منكر لا يجوز لك، وهذا يستلزم منك عدم حضور المنكر لئلا تراه وتسكت عنه فتقع في منكر وهو السكوت، ومن هنا تعرف أن من لا يُنكر؛ لا يجوز له حضور المنكر، بل يجب عليه مفارقته لئلا يقع بنفسه في المنكر.

كل هذا يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان) [رواه مسلم] .

ومن المعلوم أنه لن يلجئك إلى القلب إلا أمر لا يطاق معه الكلام، كالاستضعاف، ومع الاستضعاف لا يجوز لك البقاء عند المنكر فتظلم نفسك بالسكوت عنه، إلا أن كنت لا تستطيع المفارقة، لأن الله لم يعذر من المستضعفين إلا من لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، قال الله تعالى {إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا} .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (يوشك أن يأتي على الناس زمان؛ خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) [رواه البخاري] .

وأعلم أن هذا القول هو الذي كنت أقول به من قبل، ويعكسه بعض من الناس، فيقول؛ هو يحرم الوظائف، فعفا الله عنا وعنهم، ونرجوا أن تكون عاقبتنا وإياهم؛ عاقبة ليوسف واخوته، فإن الشيطان نزغ بينهم فكان منهم من قال؛ اقتلوه، ومنهم من قال؛ اطرحوه في الجب، وكذلك قالوا، فمنهم من قال في شأني وشأن الأخوان؛ اقتلوهم فإنهم خوارج وأن لمن قتلهم أجرا عند الله تعالى! ومنهم من قال؛ اسجنوهم فإنهم متمردون! وغير ذلك مما هو معلوم.

فهذه نزغات الشيطان بين المؤمنين، كما قال تعالى {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا} ، فنعوذ بالله من نزغاته.

وأما مسألة التكفير؛ فهي مسألة خطيرة، وأكثر من يخوض فيها ممن لاحظ له من العلم والتجرد إلا القليل، فهو يجعل الحكام الذين يظهرون الإسلام كفرعون والدجال، والآخرون على النقيض من ذلك تمامًا، فهم يجعلون هؤلاء الحكام كابي بكر وعمر رضي الله عنهما في وجوب بيعتهم وطاعتهم، وقد تبين لك انه لا يلزم من بطلان البيعة وعدم وجوب الطاعة؛ تكفيرهم، وهم يظهرون الإسلام، فعسى أن يكون قد تبين لك الحق مما قدمناه.

وأعلم أن هذه الإختلافات قد ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد والحاكم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يوشك أن يأتي على الناس زمان يغربل الناس فيه غربلة، ويبقى حثالة من الناس قد مزجت عهودهم وأماناتهم وأختلفوا، وكانوا هكذا) - وشبك بين أصابعه - قالوا فما تامرنا؟ قال (تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتُقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم) .

ففي هذا الحديث؛ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الاختلاف، وبين لنا المخرج؛ وهو أن أخذ ما نعرف وندع ما ننكر، وكيف ذلك؟ لا بد من أن نزن الأمور بميزان الشرع، بخلاف منهاج الذين لا يحرصون على الدليل في ما يأتون وما يذرون وما يعرفون وما ينكرون، ثم تقبل على أمر خاصة نفسك؛ فتقيمها، ثم تشتغل بأمر الخاصة - أي الأفراد الذين تستطيع أن تقيمهم معك - وتدع أمر العامة، فانما هم في ملك جبري يلبسون الأمور ويظهرون الإسلام ويرفعون رايته، وهم في الداخل يهدمونه ويحاربون أهله، فلا قدرة لك على قتالهم ولا في يدك شيء من الأمور تتصرف فيه كيف نشاء، بل أدنى أعمالهم لا بد أن تسير فيه على ما يرضيهم، لا يطلقون لك التصرف في شيء البتة.

وبهذا تعرف بطلان قول من يقول نأخذ المناصب لنخدم بها الإسلام ونصلح الناس، ويغالون في ذلك، فيقول بعضهم لبعض أخواننا حينما ترك الدراسة والوظيفة (هذا من التولي يوم الزحف) ! فإلي الله المشتكي إذا كانت هذه مقالة من ينتسب إلى العلم والصلاح، وإنما هذا من فرط الجهل وضعف البصيرة وقلة العلم

فيا محنة الإسلام من كل جاهل ويا قلة الأنصار من كل عالم

ولكن الكثير من الناس عكس الأمر، فاشتغل بأمر العامة، وهو في خاصة نفسه لا يبني عبادته على علم ثابت صحيح بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا من تلبيس إبليس.

حيث تجد هذا الرجل نفسه في أمر العامة يقضي جميع أوقاته، فيقول؛ هؤلاء فعلوا واحدثوا، وفي المكان الفلاني فساد، وفي المجلة الفلانية مقال كذا، وفي وزارة كذا أمر بكذا ونهى عن كذا، ويشتغل بتعداد المنكرات التي تنشرها الحكومة، ثم أحيانًا يقول؛ هؤلاء كفار، وإن كان يعمل عندهم قال؛ لا هم مسلمون ويريدون الصلاح ولكن الفساد من المسيءولين، ويجب على الحكومة أن تفعل كذا، ولا بد أن يكون كذا و ... و ... و ... وهلم جرا من ضياع الأوقات والتلاوم.

مع أنه يدري أن القوم عازمون على ما هم عليه، وأنهم يمكنون باطلهم بالسيف ولو كان المخالف لهم أقرب قريب، ولكنه يشغله الشيطان هكذا.

وفي نفس الوقت تجده في أحواله مقصرًا قصورًا كبيرًا، فلا يتعلم دينه، العلم الثابت الصحيح، وبيته مليء بالصور، لا يطمسها، ويخالط الناس، لا ينكر المنكر إذا رآه، والقران مقصر فيه، لا يتلوه، وإن تلاه لا يتدبره ولا يتفقه فيه، ولو فعل هذا وأشتغل به وترك أمر العامة لكان خيرًا له، بل هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كلامه وحي يوحى من عند رب العالمين الذي يعلم بنا وبهذا الزمان؛ (تأخذون ماتعرفون) ، و (تدعون ما تنكرون) ، و (تقبلون على أمر خاصتكم) ، و (تذرون أمر عامتكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت