وثبتَ في صحيح مسلمٍ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحدٍ بعد ثمان سنين كالمودّع لهم، وبه احتجّ من رأى الصلاة على الشهيد وهو مذهب أبي حنيفةَ، وروايةٌ عن أحمدَ، وأمّا من استدلّ على ذلك بما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى على شهداء أحدٍ، وصلى على حمزة سبعين مرة، وغير ذلك من الروايات فهي واهيةٌ لا يلتفت إليها، ولا يُعوَّل عليها، قال الشافعي في الأمّ: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد وما روى أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه. اهـ نقلًا عن الفتح.
ولم يقل أحدٌ ممن قال بالصلاة على الشهيد أنّ الصلاة على الميت مشروعةٌ بعد ثمانِ سنينَ من دفنه على مقتضى هذا الحديثِ، بل كُلُّهم يمنعون الصلاة عليه بعد هذه المدّة، ويجعلون ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من خصوصياته.
والقائلون بالصلاة على الميت يجعلون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثمان سنين ناسخةً لتركه الصلاةَ يومَ أحدٍ، أو يعلّلون ترك الصلاة يوم أحد بالمشقة، وهذا غير مستقيمٍ والله أعلم من وجوه:
الأول: ورود احتمال الخصوصية في الصلاة، مع ثبوت الخصوصية في التوقيتِ، فلا ينسخُ ما ثبتَ من ترك النبي صلى الله عليه وسلم بما قويَ فيهِ احتمالُ الخصوصيَّة.
الثاني: أن الصلاةَ بعد ثمانِ سنينَ معلَّلةٌ في الحديث بالتوديعِ لهم، وظاهرهُ عدم اللزوم، وأنّه غير الصلاةِ التي هي حقٌّ لكلِّ مسلمٍ، بدليل أنّ في ألفاظِ الحديث:"كالمودّع للأحياء والأموات"، فهو توديعٌ خاصٌّ.
الثالث: أنّ ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على الشهداء كان بمشهد الصحابة جميعًا، وأمّا صلاته عليهم فإنّما رآه بعضٌ لا يحصل البيان العامّ بهم، والنسخُ لا يمكن أن يكون بدليلٍ خفيِّ الوقوع، خفيِّ الدلالة.