الرابع: القول بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم بعد أن فُرضت الصلاة فيهم وعُلّل التأخير وخصوصيته بذلك؛ فإنّهم يلزمُ أن يُصلّي النبي صلى الله عليه وسلم على كل شهيدٍ في بدرٍ وغيرها من الوقائعِ ممن كان قبل النسخ المُدّعى، ولم يكن ذلك.
الخامس: تعليل من علّل بالمشقّة في ترك الصلاة لكثرة العدد لا يستقيم، لأنّ الصلاة على الجماعة الكثيرة إنّما هي صلاةٌ واحدةٌ، وجمعُ الشهداء غير متعذّر بدليل أنّهم جمعوا للدفن، فلو وجبت الصلاة لجمعوا لها كما جمعوا ليُدفنوا ودُفنوا.
وأُجيبَ بأنّ المراد بالصلاة في الحديث الدعاء، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يزورَ المقابرَ ويدعو للشهداء من الصحابةِ، والصلاة في اللُّغة تردُ كثيرًا بمعنى الدعاء، وهو أصلُ المعنى على قولِ كثيرٍ من أئمّة اللُّغة، وقد وردَ به القرآنُ فقال عزّ وجلّ: (خذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكّيهم بها وصلِّ عليهم إنّ صلاتَكَ سكنٌ لهم) ، ويرد على هذا الجوابِ ما جاء في بعض ألفاظِ الحديثِ"صلّى عليهم صلاتَهُ على الميِّت"وفيه قوّةٌ، وصرفهُ بأنّ المرادَ بما يدعو به على الميّت خلاف الظاهر.
واختلف من لم يوجبوا الصلاة على الميّت على قولين:
فذهب الشافعية في روايةٍ، والحنابلةُ إلى أنّها لا تجب، ولا تمنع؛ ومقتضى هذا الاستحباب لامتناع وجود عبادةٍ يستوي طرفاها، فيكون فعلها كتركها، وذهب الشافعية في الأصحِّ من مذهبهم، والمالكيّةُ إلى أنّ الصلاة على الشهيد ممنوعةٌ غير مشروعةٍ، لا تجوز ولا تصحُّ.