فهرس الكتاب
ولما في وقت الليل من الظلمة واختلاط الناس بعضهم ببعض، مع الحاجة إلى الإثخان في العدو تقتيلًا حتى لا يتمكنوا من المدافعة أو ليضعفوا عنها، كان الغالب في البيات أن يُقتل من النساء والأطفال، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجابهم بجوابٍ أعمَّ من السُّؤال؛ فقال: "هُم منهم"، ولم يكتف بالخبر عن الإباحة، بل زاد عليه البيان بأنَّهم بعضهم ليسوا منفصلين عنهم، ومقتضى ذلك أنَّ حكمهم حكمهم لأنَّ الحكم العامَّ على أولئك ينطبق على هؤلاء بالعموم، فيكون الأصل لحوقهم بآبائهم في جواز استرقاقهم وفي غنيمة أموالهم وفي عدم عصمتهم فيكون ما أُريق من دمائهم هدرًا لا دية فيه، وهذه الأحكام كلُّها زائدة عن المسئول عنه.
وعُرف من هذا الجواب أيضًا جواز قتلهم في تلك الصورة خاصَّةً، وتجمع شرطين:
الأوَّل: أن يكون قتلهم في حال البياتِ، وفي حكمه كلُّ حالٍ يصعب معها التمييز أو تفوت النكاية في الأعداء إن أُريد تمييزهم، وذلك مأخوذ من سؤال السائل وقوله فيه: (يُبيَّتون) ، والضمير في قوله صلى الله عليه وسلم: (هم منهم) يعود على الذراري الذين يُصابون في الحال المسئول عنها وهي حال البيات.
الثاني: ألاَّ يُفرَدوا بالقتل؛ فلو جاز تبييت أهل الدار والقتلُ دون تمييز فإنَّ من تميَّز من الذَّرَارِي وأمكن اجتنابه وجب أن يُجتنب ولا يُقتل، ولذلك ذكر في الحديث: "فيُصاب من نسائهم"، فجعل القتل يحصل تبعًا للبيات ولم يجعله مستقلاًّ وعبَّر بالإصابة التي تُوحي بعدم القصدِ، ومن الدليل على ذلك أيضًا ما قُدِّم في تحريم قتل الذرية فهو الأصل العامُّ، وما في الحديث صورة خاصَّةٌ فإذا أُفردوا بالقتل كان من الصورة الأولى المنهيِّ عنها.