فالعموم الظاهر الَّذي هو بهذه المنزلةِ، لا يُعترض عليه بإجماع ابن المنذر، وابن المنذر معروفٌ بتساهله في حكاية الإجماع، هذا لو كان حكى الإجماع صريحًا، فكيف وهو يقول كالمُجمعين، ولم يجعله إجماعًا؟ ولمَّا أرادَ عنبسة بن أبي سفيان وكان واليًا لمعاوية رضي الله عنه أن يجري عين ماءٍ في أرض عبد الله ليوصلها إلى أرض عنبسة، أبى عبد الله، وركب هو وغلمانه وقال والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منَّا أحد، ولمَّا كلَّمه خالد بن سعيد بن العاص في ذلك احتجَّ عليه بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: "من قُتل دون ماله فهو شهيدٌ"، فهذا فهم صحابيٍّ وعمله بالحديث وهو موافقٌ لعمومه الَّذي لا مُخصِّص له ولم يُنقل خلافُه عن غيرِه من الصحابة.
ولو تُنزّل مع الخصم وفُرض جدلًا أنَّ الاستثناء الَّذي ذكره ابن المنذر صحيحٌ، وأنَّ قوله كالإجماع كحكايته الإجماع الصريح، وأنَّ إجماعاته مقبولةٌ يُستدلُّ بها على تخصيص الحديثِ، وأنَّ اسم السلطان يشمل المسلم والكافِر، لو سُلِّم بكلِّ هذا وأعرضنا عن عموم الحديث، وعن عمل عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنه الَّذي لم يُخالفه أحدٌ من الصحابة.
لو تُنزِّل في كلِّ هذا؛ فمحلُّه ولا ريبَ من أراد السلطان العدوان على مالِهِ، ولا يقول أحدٌ بمثل ذلك في عرضِهِ، وأهل العلم حين فرّقوا بين العرض والمال في وجوب الدفع في الأوَّل وجوازه في الثاني دون وجوبٍ على الأصحّ، علَّلوا ذلك بأنَّ المال يجوز بذلُهُ ابتداءً بخلاف العرض، وهذه العلَّة بعينها موجودةٌ في النفسِ، فإن جازَ له الدفعُ عن العِرضِ الَّذي لا يجوز بذله ولو كان الصائل سلطانًا، فإنَّ الدفع عن النفسِ جائزٌ لأنَّها كالعرض لا يجوزُ بذلُها ابتداءً، ولولا النصوص في الباب لقيلَ بوجوبِ الدفع عن النفسِ كما يُدفع عن العرض، ولكنَّ النصوص فرَّقت بينهما في حكم الوجوب لعلَّةٍ أطال الفقهاء الكلام فيها.