مقاصِدُ الجِهاد (دفعُ الصَّائل: مواجهة جند الدولة)
كان المقال السابق لهذا عن دفع الصائل الكافرِ، وتطرّقنا يسيرًا إلى مسألةِ دفع الصائل ولو كان مسلمًا، وأعرضتُ عن مسألة "تسليم النفس للمباحث" اكتفاءً بما سبقَ من الحديث عنها في "المنيَّة ولا الدنيَّة"، إلاَّ أنَّ تراجع الخضير والفهد تضمَّن إيرادَ شُبهةٍ مشهورةٍ رأيتُ أن لا يُؤخَّر الحديث عنها مع تعلّقها بمسألةِ دفعِ الصائل؛ فقد استدلَّ كلٌّ من الخضير والفهد على منع دفع الصائل من رجال المباحثِ، بما ذكره ابن المنذر حين قال: وأهل العلم كالمجمِعين على استثناء السلطان مما جاء في دفع الصائل.
وأولُ ما يُقال في هذه الشبهة: أنَّ محلّ كلام ابن المنذر السلطان المسلم لا الكافر، والكافر يجوز ابتداؤه بالقتالِ فضلًا عن دفعِهِ إذا صالَ، وطواغيت الجزيرة كفرةٌ مرتدّون بأدلةٍ لا يستطيع المخالف دفعها أو الجواب عنها.
ويُقال بعد ذلكَ: إنَّ ابن المنذرِ متساهل في حكاية الإجماعِ، وذلك معروفٌ عنه فلا يكاد يسلمُ نصفُ ما يحكيه من إجماعات، ومن الإجماعات التي يحكيها ما فيه خلافٌ مشهورٌ، ولا يُمكن تقديم إجماعٍ يحكيه ابن المنذرِ على عموم الحديث حين جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن جاءني رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، والحديث دالٌّ على العموم من وجوهٍ، منها ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال، وهذا منزّلٌ منزلة العموم في المقال، ومنها أنَّ قوله رجلٌ نكرةٌ في سياق شرطٍ، وهو أيضًا نكرةٌ في سياق استفهامٍ، وكلا هذين مفيدٌ للعموم.