وإخراج المشركين من جزيرة العرب، أمرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيّده بوسيلةٍ من الوسائل، بل هو مطلقٌ والمقصود خروجُهُم من الجزيرة، ومعلومٌ أنَّ الكافر الواحد الذي لا شوكة له ولا منعةَ مُباح الدم في الأصل، يجوز قتلُه لأي غرضٍ ولو للتقرب إلى الله بدمِهِ تقربًا مجردًا عن المنفعة الدنيويَّة في قتلِه، فإن كان أمرٌ بإخراجه من جزيرة العرب كان قتله من امتثال ذلك الأمر، وإذا كان له شوكة ومنعة في بلاد المسلمين كان معتديًا عليها يجب قتاله وجوبًا وليس على الإباحةِ فحسبُ، فثبتَ أن إخراج المشركين بالقتال وسيلة مباحةٌ أو واجبةٌ، وهي من أنفع الوسائل لما يحصل بها من الردع للمشركين والتخويف لهم من دخول جزيرة العرب، وهذا ما رأيناه بعد تفجيرات الرياض، حتى صار بعض الصليبيين يأمر بعضًا بالخروج وطلب مسؤولوهم ممن ليس لوجوده ضرورة أن يخرج.
وإخراج المشركين من جزيرة العرب بالجهاد يكون جهادَ طلبٍ وجهادَ دفعٍ، فأمَّا جهاد الطلب فإذا ورد الأمر على مشركين موجودين مقرِّين بالشرع أو متروكين على ما كانوا عليه في جاهليتهم قبل ذلك، وأما جهاد الدفع فإذا دخل المشركون الجزيرة بعد ورود الأمر وكان دخولُهُم فيها مخالفةً لصريح النهي، لا داخلًا في المسكوت عنه قبل ورود النص، وذلك مثل قتالهم في أرضهم إن كانت أرضًا تحت أيديهم قبل الإسلام، كان قتالهم عنها وجهادهم فيها من جهاد الطلب، وإن كانت أرضًا دخلوها بعد أن كانت بأيدي المسلمين كان جهادهم فيها من جهاد الدفع، وأحكام الاستدامة والبقاء تختلف عن أحكام الإنشاء والابتداء، ويثبت تبعًا واستمرارًا، ما لا يثبتُ أصلًا واستقلالًا.