كما أنَّ إرهاب الكافرين يُطلب لدفعهم وكفِّ بأسهم، ومن الغزوات التي أُريد بها إرهاب الأعداء وتخويفهم لكفِّ بأسهم وشرِّهم غزوة العسرة.
وكذلك خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد بعد أحدٍ، أراد به صلى الله عليه وسلم أن يكفَّ بأس الكافرين ويكسر حدَّهم وشوكتهم وهمَّتهم في قتال المسلمين، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) الآية، قالت عائشة كما في صحيح البخاري: لما أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: "من يذهب في إثرهم" فانتدب منهم سبعون رجلًا، فذكرت الحديث.
وكما أُمرنا بإرهاب الكفَّار وتخويفهم وكان ذلك من مقاصد الجهاد، فقد أمرنا بالنيل من الكفَّار بالفعل، نيلًا حسِّيًّا بقتلهم وقتالهم وسبي نسائهم وغنيمة أموالهم، ونيلًا معنويًّا بإغاظتهم وإرهابهم، وإهانتهم وإذلالهم.
فقال الله في محكم التنزيل: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .
فبيّن أنَّ كلَّ نيلٍ يناله المؤمنون من العدوِّ يُكتب به عملٌ صالحٌ، وأنَّ كل موطئٍ يغيظ الكفَّار -وهذا من النيل المعنوي- يُكتب به عملٌ صالحٌ، وجعل ذلك دافعًا ومحرِّضًا للخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواتهم وجهاده، فكل ما كان فيه نيلٌ من الكافرين أو إغاظةٌ فهو مأمورٌ به.