ومن أراد شفاء الصدر وذهاب الغيظ مما يرى كل يومٍ بالمسلمين من النكبات والمصائب والحرب عليهم في دينهم ودنياهم، وآلمه انتهاك أعراض المسلمات، واستباحة الديار والأموال، وإراقة الدماء، فليس له شفاء دون قوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء) الآية، وهذا إنَّما يكون فيمن في قلبه حياةٌ وموضعٌ يألم للمسلمين ويهتمّ لأمرهم.
ومن أعظم المقاصد التي أقضَّت مضاجع العاشقين، وأتعبت ركائب المجاهدين، وفارق الحليم عندها حِلمُه، وأعان العليم على الصبر في طلبها علمُه، الشهادة في سبيل الله، التي يتمنَّاها من غلب توكُّله مخاوفَه، وأدحض يقينُهُ أحابيل شيطانِهِ، وهي ولا ريب أعظم درجات الشوق إلى الله ومحبَّة لقائه، و"من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.
وقد دلَّ على هذا المقصد كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الآثار عن الصحابة والسلف الصالحين في ذلك فهي فوق الحصر بكثيرٍ، وسنذكر جملةً من الأدلَّة الدالَّة على هذا المقصد العظيم.
فقال الله عز وجل في محكم التنزيل: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فأمر من يبيع دنياه بآخرته بالقتال، والمفروض الواجب أن يكون كلُّ مؤمنٍ كذلك، وبيع الدنيا بالآخرة أعظم ما يكون بالقتل في سبيل الله، وما جاء من النصوص في جنس هذا المعنى كلُّه دالٌّ على هذا المقصد.