الصفحة 69 من 133

وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) الآية، فجعل القتل في سبيل الله غايةً للبيع، ونصَّ عليه في العقد، وذلك بعد أن ذكر المعنى السابق من بيع النفس لله عز وجل، وهو بيع الدنيا بالآخرة.

وقال أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسكٌ عنان فرسِه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه" الحديث، وهذا الحديث من أصرح النصوص الصحيحة في هذا المقصد واعتباره والأمر به شرعًا، بل هو دليل صريح على علوِّ مكانة من ينوي هذه النية ويطلب هذا المطلب.

وقريبٌ منه في الدلالة حديث عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقر جوادُهُ وأُهريقَ دمُه"، ومن طلب أن يُهراق دمُهُ لم يزد على أن طلب أفضل مراتب الجهاد، وطلب أفضل مراتب الجهاد الذي هو ذروة سنام الدين لا يمكن أن يكون محرّمًا لا يجوز، بل لا يكون إلاَّ قربةً من أعظم القربات إلى الله.

ومن الأدلَّة الظاهرة على ذلك، ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثمَّ أغزو فأقتل" وذَكَر القتل في بعض الروايات ثلاثًا وفي بعضها أربعًا، فقد تمنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في سبيل الله، وما كان ليتمنَّاه وهو مفسدةٌ وخسارةٌ ومناقضةٌ للمقصود من خلق الإنسان وعمارته الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت