وعلى هذا التفسير للآية فهي دليلٌ على عدم وجوب الاستئذان للجهاد إذا كان فرض عينٍ، على التقديرين في المحذوف قبل أن، فإن قُدِّر المحذوف: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في أن يجاهدوا كان المعنى استئذان من يستأذن ليُجاهد لما في هذا من التثاقل عن الجهاد ولما فيه من نيته ترك الجهاد إن مُنع منه وإن كان هذا لا يقع في صورة سبب النزول خاصَّة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إن منع منه وجبت طاعته بخلاف الأمراء، فيكون الذم لأجل ما فيه من التثاقل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وللأمرين معًا في حقِّ من بعده، ويكون من يستأذن ليترك الجهاد أولى بالذم والإثم لأن المستأذن ليفعل أفضل ممن يستأذن ليترك، وإن قُدِّر المحذوف: كراهة أن يجاهدوا، أو بتقدير لا نافيةٍ بعد أن، فيجري على مثل قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) وقوله: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) وقوله: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) وقوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وهو وجه معروف كثير في القرآن وفي كلام العرب؛ فالآية حينئذٍ نصٌّ في المستأذن ليترك الجهادَ، والتقدير الثاني أرجح وأظهر والله أعلم، وهو الظاهر من الآثار في تفسير الآية، ومن سبب النزول حيث نزلت في المنافقين وهم يستأذنون كراهة أن يُجاهدوا.
والمراد على التقدير الثاني: استئذان من يستأذن ليترك الجهاد بعد أن أُمر به، وعلى التقدير الأول: استئذان من يستأذن ليذهب إلى الجهاد، ويكون عامًّا مرادًا به خصوصُ الجهاد المتعيِّن.