وكلا التقديرين يتضمَّن إبطال قول من يوجب استئذان الإمام في الجهاد المتعيِّن، لأنَّ الاستئذان في حقيقته يعني طلب الإذن، وهذا يتضمَّن تعليق الفعل على الإذن، فإن أذن الإمام ذهب وإلاَّ فلا، فيكون مجرَّد الاستئذان معصية بقطع النظر عن مراد المُستأذِن بعد أن علمنا أنَّه سيمتنع إن منعه الأمير، ويطيعه في معصية الله وترك ما أوجب الله.
ومن الأدلَّة على سقوط إذن الإمام في الجهاد المتعيِّن أنَّ من أعظم مقاصد الإمامة وأولاها الجهاد في سبيل الله؛ فلا يمكن مع هذا أن يسوغ للإمام إسقاط الجهاد المتعيّن الذي ما كان إمامًا إلا لإقامته وإقامة بقية الشرائع والحدود، ولهذا قال إياس بن معاوية المزني: "لا بد للناس من ثلاثة أشياء: لا بد لهم أن تأمن سبلهم، ويختار لحكمهم حتى يعتدل الحكم فيهم، وأن يقام لهم بأمر الثغور التي بينهم وبين عدوهم، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان احتمل الناس ما كان سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون".
ومن هذا ما أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث عقبة بن مالك الليثي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فسلحت رجلًا منهم سيفًا فلما رجع قال: لو رأيت ما لامنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: "أعجزتم إذ بعثت رجلًا منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري؟ "، فلامهم على طاعتهم للأمير الذي لم يمض لأمره صلى الله عليه وسلم الخاص، وعاتبهم أن لم يكونوا نحَّوه وجعلوا مكانه غيره، ومثله من لم يمضِ للواجب الشرعي الظاهر الذي لا لبس فيه من دفع العدو الصائل.