الصفحة 82 من 133

وما ذهب إليه الشوكاني ضعيف، والصواب ما ذهب إليه جماهير الفقهاء استنباطًا من هذا الحديث، وبقاء ذنب الدَّين دون الذنوب العظيمة إنَّما كان لما فيه من حقِّ الآدميِّ، وحقُّ الآدميِّ الواجب لا يُقدَّم عليه ما ليس بفرضٍ من الجهاد ولا من غيره، وتقديم أثر الدينِ من الإثم الذي لا يُغفر بالشهادة على أثر الجهاد من مغفرة سائر الذنوب دليلٌ على تقديم هذا الواجب على هذا الواجب، وإذا حُمل الحديث على الجهاد الذي لم يتعيَّن كما يأتي ازداد الحكم ظهورًا إذ لا يُمكن تقديم ما ليس بواجب على الواجب القطعيِّ.

وليس في الشريعة أن يحبَّ الرجل أن يبقى عليه ذنبٌ واحدٌ يقدم على الله به، بل إنَّما يُتجاوز عن الذنوب الماضية بالتوبة والاستغفار أمَّا الإصرار على الذنب وتفويتُ حق المسلم وكون ذلك في سبيل قربةٍ إلى الله، فهذا لا يكون في دين الله.

ووجه قول الجماهير بوجوب استئذان صاحب الدين القاعدة المتفق عليها: ما تولَّد عن المأذون غير مضمونٍ، فالأصل ما في الحديث من بقاء الإثم على المدين، ويُستثنى منه ما إذا أذن الغريم لأنَّ الحقَّ له، فإذا نتج عن جهاده استشهاده بعد الإذن لم يكن عليه شيءٌ من جهة خروجه للجهاد مع وجود الدين، وإن كانت المطالبة بالدين باقيةً دون الإثم لترتّب الإثم على التفريط، والتفريط منتفٍ بإذن الغريم.

والدَّينُ الذي يجبُ فيه الاستئذان إنَّما هو الدين الحالُّ على الغنيِّ القادر على الأداء: أمَّا الدين المؤجَّل الذي لم يحلَّ أجله فلا تتوجَّه المطالبةُ به قبل الأجل، والإذن إنَّما هو فرعٌ على المطالبة، وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم، وأمَّا المُعسر فإنَّما حقُّه الإنظار كما قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فهو كالدين المؤجَّل الذي لم يحلَّ أجله، وبهذا أفتى النووي وابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت