الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين"، وأخرجه من حديث أبي قتادة وهو مما انتُقد عليه؛ اختلف فيه على عبد الله بن أبي قتادة فرواه المقبري عنه عن أبيه وهو غلط، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عنه عن رجل من أهل نجران عن عبد الله بن عمرو وهو الصواب، ورواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة وعن محمد بن قيس عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه وقد غلط ابن عجلان في كليهما، أما رواية المقبري فالصواب فيها ما تقدَّم، وأما رواية محمد بن قيس فصوابها عن ابن أبي قتادة مرسلًا، وروي من حديث عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي هريرة في المسند وفيه نظر، وفي الباب حديث أبي أمامة وهو ضعيفٌ، وحديث سهل بن حنيف في معجم الطبراني الكبير وهو ضعيف، وحديث أنس وهو غلط كما حكى الترمذي عن البخاري، وحديث محمد بن جحش عند النسائي وغيره وفيه بعض النظر، ولا يصحُّ في الباب إلا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من رواية أبي عبد الرحمن الحُبُلي الذي قدَّمناه والله أعلم.
والحديث لم يتناول بمنطوقه حكم الخروج إلى الجهاد لمن عليه دين، ولهذا قال الشوكاني في نيل الأوطار: "وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان".