الصفحة 80 من 133

فلا يكون في كلام ابن قدامة ولا كلام غيره من الفقهاء مخالفة للقاعدة الشرعية المتفق عليها من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل، وأنَّه لا استئذان في فروض الأعيان، وليس فيها أنَّ الأمير المعطِّل للجهاد أو التارك للواجبِ منه، بلْهَ المانع من ذلك يُطاع وتجري معصيته على جميع الرعيَّة واجبًا من الواجبات الشرعية.

ويوضِّح هذا المعنى كلام ابن قدامة نفسه في مسألة إذن الوالدين حيث قال:

"وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما , وكذلك كُلُّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها يعني إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه؛ لأنَّه صار فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل ما وجب مثل الحج , والصلاة في الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب، قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال. لأنها عبادة تعينت عليه؛ فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة"

فتأمَّل تعليله إسقاط إذن الوالدين في الجهاد المتعيِّن بأنَّ تركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله، وهذا يكون في الإمام كما يكون في الوالدين، والمعصية لا يُطاع فيها الإمام كما لا يُطاع فيها الوالدان.

وانظر قياسه في قوله: لأنَّها عبادة تعيّنت عليه فلم يُعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، فأوضح أنَّ سقوط إذن الوالدين في الجهاد كسقوطه في الصلاة لأنَّها عبادةٌ متعيّنةٌ، وكذلك الإمام كما يسقط إذنه في الصلاة يسقط في الجهاد بجامعِ كونِ كلٍّ منهما فرض عينٍ، وهذا من أظهر الأحكام.

وما يُقال في إذن الإمام يُقال في جميع من قيل باستئذانهم من أصحاب الحقوق المعتبرة شرعًا، على تفاصيل تأتي في موضعها من المقال الآتي بإذن الله تعالى.

هذا والله أعلم، وصلى الله على محمد وسلم، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت