ولعدد من الفقهاء مثل هذه العبارة، والاستناد عليها في هذه المسألة غلطٌ فاحشٌ، فهي في استئذانه في تفاصيل الجهاد المتعيِّن لا في أصله، وفرقٌ بين مسألة الخروج إلى العدو وتوقيت ذلك، وأصل قتال العدوِّ، فليس في عبارة الموفق ولا غيره من أهل العلم أنَّ الإمام إن منعَ من أصل دفع العدو وتركه يدخل بلاد المسلمين يعيث فيها فسادًا أنَّ طاعته في ترك هذا الفرض واجبةٌ، وأنَّ مقاتلة العدو دفعًا له عن حرمات المسلمين محرمة.
والذي يقول إنَّ الإمام لا يُستأذن في الجهاد المتعيِّن لا يعني بقوله أنَّ الإمام لا إمارة له في جهاد الدفع بل إمارته باقية وطاعته فيها واجبة ما دام ملتزمًا دفع العدو عن المسلمين، ومما تجب طاعته فيه جهاد الدفع فيما يدخله الاجتهاد ويرجع إلى أمر الحرب وسياستها، فله أن يأمر بالخروج إلى العدو، وأن يأمر بالبقاء في البلد ومقاتلته كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر أن يُقاتل قريشًا في المدينة، ويمهلهم حتَّى يدخلوها فيُقاتلهم المسلمون فيها، فالخروج للعدو ليس مطابقًا لقتاله، بل هو شأنٌ من شئون القتال يدخل اجتهاد الإمام في توقيته وصفته، وللإمام أن يمنع منه ويأمر بالقتال في البلد، وللإمام أن يُصالح العدوَّ ويسعى في ذلك فيمنع الناس من مقاتلة العدوِّ حتَّى يصطلح معه وذلك حين يكون العدو بظاهر البلد أو قريبًا منه ونحو ذلك.
ولذا قال الشهيد عبد الله عزام رحمه الله في كتاب الدفاع عن أراضي المسلمين:"وإنما يُستأذن أمير الحرب وقائد المعركة في الغزو والهجوم من أجل التنظيم والتنسيق وحتى لا يُفسد المرء الذي يهجم على العدو خطة المسلمين".