ومما وقع التنازع في معناه من كلام أهل العلم كلمة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إذ قال: "ولا يكون الإمام إمامًا إلا بالجهاد، لا أنَّه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل" فبيَّن أنَّ الإمامة لا بدَّ فيها من الجهاد لا العكس، وظاهر كلامه أنَّ الإمام لا تصحُّ إمامته بلا جهاد، فكيف يُستأذن في الجهاد من لولا الجهاد ما كان له ولاية؟! فالإمام مفتقرٌ إلى الجهاد لا العكس، وأقلُّ ما تحتمله عبارته سقوط استئذانه في بعض صور الجهاد، والشق الثاني من العبارة في قوله: لا أنَّه لا يكون جهاد إلا بإمام يردُّ به على من يشترط وجود الإمام للجهاد، وإذا لم يُشترط وجوده لم يُشترط إذنه، وهذا يجري على قول الفقهاء في كثير من المسائل "لم يُشترط وجوده فلا يُشترط إذنه"، وفي هذا نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا مانع من أن يكون الإذن مشترطًا عند وجود الإمام غير مشترط عند عدمه لما في العمل بلا إذنه وقت وجوده من الافتئات، ولهذا لا يشترط إذن الإمام في شيء من صور الجهاد إذا لم يوجد أو لم يمكن استئذانه، ويُشترط إذنه إن وجد في بعض الصور.
والوجه الثاني: أنَّ هذا مبني على اشتراط إذن الإمام، فلا يدخل فيه ما إذا منع الإمام، وهما مسألتان مُتغايرتان كما قدَّمنا.
واستدلَّ بعض من لم يحقق المسألة بمثل عبارة الموفق في المغني على القول المنُكَرِ بوجوب استئذان الإمام في الجهاد المتعيِّن، ونص عبارة ابن قدامة: "ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه , فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم , ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين".