الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فممن يجب استئذانهم غير من تقدَّم في أمر الجهاد: الوالدانِ، والزوج، والسيِّد، فلا يجوز الجهاد للولد بغير إذن أبويه، ولا للمرأة بغير إذن زوجها، ولا للعبد بغير إذن سيِّده، وهذا في الجهاد الَّذي هو فرض كفايةٍ، وفيما يلي بيان ما يتعلَّق بكلٍّ منهم من الأحكام:
استئذان الوالدين:
أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمروٍ رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال نعم، قال: "ففيهما فجاهد".
والحديثُ ظاهرٌ في تقديم برِّ الوالدين على الجهاد، ومقتضى هذا استئذانُهما على الأصل الَّذي تقدَّم في استئذان الغريم، وقد جاء الأمر باستئذانهما صريحًا فيما أخرجه أحمد في المسند وأبو داود في السنن من حديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، وهو إسنادٌ ضعيفٌ.
ومحلُّ ذلك ما عدا فرضَ العينِ من الجهاد، فيجب استئذانُهُما في فرض الكفاية من الجهاد، ويسقطُ إذنُهُما في فرضِ العينِ، سواءٌ كانَ بحضور العدوِّ أو باستنفار الإمام، وقد يُخرَّج على قول شيخ الإسلام بتقديم إذن الغريم على استنفار الإمام قولٌ هنا، على أنَّ حقَّ الوالدين من جنس حقِّ الإمام، بخلاف حقِّ الغريم.