وأمَّا في فرض العين فقد ذهب جماهيرُ أهل العلم إلى سقوطِ إذن الوالدين، واستدلَّ جماعةٌ لذلك بما أخرج ابن حبان في صحيحه عن عمر بن محمد بن بجير قال حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، فذكر الحديث حتى ذكر الجهاد، فقال الرجل: فإنَّ لي والدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمرك بوالديك خيرًا" فقال: والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنت أعلم".
وهذا الإسناد ضعيفٌ، تفرّد به حيي بن عبد الله المعافري الحُبُلي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، والبخاريُّ لا يقول فيه نظرٌ إلا في شديد الضعف، وقد قوَّى أمره بعض المحدّثين، إلاَّ أنَّ تفرّده بمثل هذا المنكر لا يُحتمل.
ولو سُلِّم بصحَّته فهو لا يُفيد ما استدلُّوا به عليه، فإنَّ الاستدلال قائمٌ على أنَّ الجهاد في الحديث فرض عينٍ، وأنَّ إذن الوالدين سقطَ في تلك الصورة لتعيُّن الجهاد، وهذا لا يستقيم لأمور:
الأول: أنَّ الرجل في الحديث يسأل عن أفضل الأعمالِ، والسؤال عن الأفضل لا يُناسب الأمر المتعيِّن لأنَّه لا خيرة فيه.
الثاني: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمره بوالديه خيرًا أول الأمر، ولا يُمكن أن يأمره بترك الجهاد المتعيِّن، ولو كان الحديث على ما ذهبوا إليه من سقوط إذن الوالدين عند تعيُّن الجهاد لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرى بأن يأمره بذلك، من أن يأمره ببرِّ والديه وترك الجهاد المتعيِّن.