والله عزَّ وجلَّ خلقَ الأشياء والأزمنة والأمكنة، وخصَّ منها ما شاء بما شاء من الخصائص والأحكام، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، وكان مما اختار الله من الأزمنة عصورًا، خصَّ بعضها بالأنبياء، وبعضها بشيءٍ من بركات الأرض والسماء، وكان مما اختاره جل وعلا، أوقاتٌ من اليومِ، فخصَّ الثلث الأخير من الليل بنزوله جلّ وعلا، وأمر بالذكر قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وأوقاتٌ من بعض الشهور، كأيَّام عشر ذي الحجّة، وليالي رمضان، والعشر الأواخر منه، وليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، وشهورٌ من العام منها رمضان الّذي أُنزل فيه القرآن، والأشهر الأربعةُ الحرمُ.
وقد أُجمع على تعظيم هذه الأشهر وتغليظ المحرّمات فيها، وكان القتال فيها محرّمًا، ثمَّ ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ تحريمه منسوخٌ، والراجح بقاء الحكم، إلاَّ أنَّ محلَّه بالإجماع جهادُ الطلب لا جهاد الدفع، والشريعة جوَّزت مقاتلة من قاتلنا في الشهر الحرام بنصِّ قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، والكفَّار اليوم يُقاتلون المسلمين في كل وقتٍ وحالٍ، لا يُحرّمون فيهم شهرًا حرامًا، ولا يرعون إلاًّ ولا ذمامًا.
وتعظيم الأشهر الحُرُم في الشَّريعة، ثابتٌ متأكِّدٌ من وجوه منها:
الأوَّل: أنَّ تعظيمها ثابتٌ يوم خلق السموات والأرض، فقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) .
وظاهر الآية أنَّ تحريم الأربعة الحرم في وقت خلق السموات والأرض.