الجواب على قولهم هذا من وجوه:
1 ـ أن دعوي الإجماع على أن إقامة الحدود يشترط فيها السلطان هي دعوي باطلة؛ فالخلاف في المسألة مشهور معلوم، وإن كان جماهير أهل العلم وبعضهم يجعله إجماعا على أن ذلك مختص بالإمام إذا كان موجودا.
قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
(والمخاطب بقوله: {فَاقْطَعُوا ... } الرسول أو ولاة الأمر كالسلطان، ومن أذن له في إقامة الحدود، أو القضاة والحكام، أو المؤمنون) [البحر المحيط (4/ 253) ] .
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله:
(والخطاب في هذه الآية(يعني {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} ) للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين، لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعًا) [فتح القدير (5/ 183) ] .
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(لَوْ فُرِضَ عَجْزُ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ عَنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ أَوْ إضَاعَتِهِ لِذَلِكَ: لَكَانَ ذَلِكَ الْفَرْضُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ إلَّا السُّلْطَانُ وَنُوَّابُهُ. إذَا كَانُوا قَادِرِينَ فَاعِلِينَ بِالْعَدْلِ. كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ الْعَادِلُ الْقَادِرُ فَإِذَا كَانَ مُضَيِّعًا لِأَمْوَالِ الْيَتَامَى؛ أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا: لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ حِفْظِهَا بِدُونِهِ وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ إذَا كَانَ مُضَيِّعًا لِلْحُدُودِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا لَمْ يَجِبْ تَفْوِيضُهَا إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ إقَامَتِهَا بِدُونِهِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ تُقَامُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ. فَمَتَى أَمْكَنَ إقَامَتُهَا مِنْ أَمِيرٍ لَمْ يُحْتَجْ إلَى اثْنَيْنِ وَمَتَى لَمْ يَقُمْ إلَّا بِعَدَدِ وَمِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ أُقِيمَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إقَامَتِهَا فَسَادٌ يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ"بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ"فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ وُلَاةِ الْأَمْرِ أَوْ الرَّعِيَّةِ مَا يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا لَمْ يُدْفَعْ فَسَادٌ بِأَفْسَدَ مِنْهُ) [الفتاوى (34/ 176) ] .
ولقد ذكرني نقل هؤلاء القوم للإجماع بقول الإمام أحمد رحمه الله:
(ما يَدَّعي فيه الرجلُ الإجماع فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعَلَّ الناس اختلفوا، ما يُدْرِيه، ولم يَنته إِليه؟ فليقل: لا نعلم الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي،