أم معبد، والشاة عازب بعيدة عن المرعى، حيال غير حامل، ولا حَلُوبةَ في البيت؟ قالت: مرّ بنا رجل كريم مبارك، كان من حديثه كذا وكذا! قال: صِفِيهِ لى يا أم معبد.
فقالت: إنه رجلٌ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (أى أبيض واضح ما بين الحاجبين كأنه يضيء) ، حسن الخِلقة، لم تُزْرِ به صِعلة (أي لم يعيِّبه صغر في رأس، ولا خفة ولا نحول في بدن) ، ولم تَعِبْه ثجلة (الثجلة: ضخامة البطن) ، وسيمًا قسيمًا، في عينيه دَعَج (شدة سواد العين) ، وفي أشفاره عطف (طول أهداب العين) ، وفي عنقه سَطَع (السطع: الطول) ، وفي صوته صَحَل (بحَّة) ، وفى لحيته كثافة، أحور أكحل ... أزَجُّ أقرن (الزجج: هو تقوس في الحواجب مع طول وامتداد، والأقرن: المتصل الحواجب) ، إن صمتَ فعليه الوقار، وإن تكلم سَمَا وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فَصْلٌ، لا نزر ولا هَدْر، وكأن منطقه خرزات نظم تَنحدر، رَبْعَة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه العين من قِصِر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، (تقصد أبا بكر، وابن أريقط؛ لأن عامر بن فهيرة كان بعيدًا عنهم يعفي آثارهم) أحسنهم قدرًا، له رُفَقَاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (أي يحفه الناس ويخدمونه) . لا عابس ولا مُفنّد (المُفنّد: الضعيف الرأي) . فقال أبو معبد: هو واللَّه صاحب قريش، الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة، ولو كنت وافقتُه لالتمستُ صحبته، ولأفعلن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا، فأعدت أم معبد وزوجها العدة؛ كى يلحقا برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهناك أسلما، ودخلا في حمى الإسلام. الحاكم (4274)
وعاشت أم معبد -رضي الله عنها- بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافة عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- وكان الصحابة يقدِّرونها ويعرفون لها فضلها.