فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 556

الإيمان - على تصور هذه الأبعاد بما عرفناه من بعض أبعاد الكون العجيب!

ثم يعود السياق بعد تقرير هذا الفارق في المستوى بين القاعدين من المؤمنين - غير اولي الضرر - والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم , فيقرر أن الله وعد جميعهم الحسنى:

(وكلا وعد الله الحسنى) . .

فللإيمان وزنه وقيمته على كل حال ; مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض بتكاليف الإيمان ; فيما يتعلق بالجهاد بالأموال والأنفس. . وهذا الاستدراك هو الذي نفهم منه أن هؤلاء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين. إنما هم طائفة أخرى صالحة في الصف المسلم ومخلصة ; ولكنها قصرت في هذا الجانب ; والقرآن يستحثها لتلافي التقصير ; والخير مرجو فيها , والأمل قائم في أن تستجيب.

فإذا انتهى من هذا الاستدراك عاد لتقرير القاعدة الأولى ; مؤكدا لها , متوسعا في عرضها ; ممعنا في الترغيب فيما وراءها من أجر عظيم:

وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. درجات منه ومغفرة ورحمة. وكان الله غفورا رحيمًا.

وهذا التوكيد. . وهذه الوعود. . وهذا التمجيد للمجاهدين. . والتفضيل على القاعدين. . والتلويح بكل ما تهفو له نفس المؤمن من درجات الأجر العظيم. ومن مغفرة الله ورحمته للذنوب والتقصير. .

هذا كله يشي بحقيقتين هامتين:

الحقيقة الأولى: هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالات قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا وتعالجها. وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة النفس البشرية , ولطبيعة الجماعات البشرية , وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في الإيمان والتربية فهي دائما في حاجة إلى علاج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف , وبخاصة تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس , مع خلوص النفس لله , وفي سبيل الله. وظهور هذه الخصائص البشرية - من الضعف والحرص والشح والتقصير - لا يدعو لليأس من النفس أو الجماعة , ولا إلى نفض اليد منها , وازدرائها ; طالما أن عناصر الإخلاص والجد والتعلق بالصف والرغبة في التعامل مع الله موفورة فيها. . ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير ; والهتاف لها بالانبطاح في السفح , باعتبار أن هذا كله جزء من"واقعها"! بل لا بد لها من الهتاف لتنهض من السفح والحداء لتسير في المرتقى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت