فهرس الكتاب
فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ وَقَالَ تَعَالَى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَضَمَّنَ قوله تعالى {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} . النَّهْيَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ: فِي شَانِهِ , وَطَرِيقَتِهِ , وَأَفْعَالِهِ , وَأَحْوَالِهِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: أَوَّلُ مَا فِي هَذَا: أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْأَمْرِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ: افْعَلْ , وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ , إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْأَمْرِ لَا يَنْتَفِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ , إذَا أُرِيدَ بِهِ إلْزَامُ الْفِعْلِ بِحَالٍ , وَيَنْتَفِي لَفْظُ الْأَمْرِ عَنْ الْفِعْلِ بِأَنْ يُقَالَ: الْفِعْلُ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. أَلَا تَرَى: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ , وَيَعْطِفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ , فَيَقُولَ: فِعْلُ النَّبِيِّ عليه السلام , وَأَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ أَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ - لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: لِكُلِّ فِعْلٍ أَمْرٌ , وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ صَلَاتَنَا أَمْرٌ , وَقُعُودَنَا , وَأَكْلَنَا , وَشُرْبَنَا , أَمْرٌ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا: أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي فِي مُقَابَلَةِ الْأَمْرِ - وَهُوَ النَّهْيُ - إنَّمَا يَكُونُ قَوْلًا لَا فِعْلًا , فَكَذَلِكَ ضِدُّهُ , وَمَا فِي مُقَابَلَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلًا. وَأَيْضًا: فَلَوْ صَحَّ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ لَمَا كَانَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْت , لِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي قوله تعالى: (عَنْ أَمْرِهِ) رَاجِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , دُونَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ حُكْمَ الْكِنَايَةِ أَنْ تَرْجِعَ إلَى مَا يَلِيهَا , وَلَا تَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا بِدَلَالَةٍ , فَلَمَّا كَانَ الَّذِي يَلِي الْكِنَايَةَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّهُ قَالَ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} وَقَالَ: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ هَذِهِ الْكِنَايَةِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى , وَإِذَا صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ إلَى الرَّسُولِ عليه السلام , لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرَ الْوَاحِدِ لَا أَكْثَرَ مِنْهُ , فَكَانَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ , فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ , فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّسُولِ لقوله تعالى {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} . قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: أَيْ لَا تَدْعُوهُ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا , بِأَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنْكُمْ: يَا مُحَمَّدُ , بَلْ يَدْعُوهُ بِأَنْبَهِ أَسْمَائِهِ وَأَشْرَفِهَا , فَيَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ , وَيَا رَسُولَ اللَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُ ضَمِيرِ الْكِنَايَةِ إلَيْهِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا} فَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَى التِّجَارَةِ , وَقَدْ تَوَسَّطَهَا ذِكْرُ اللَّهْوِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنَنْته , لِأَنَّ الْأَصْلَ رُجُوعُ الْكِنَايَةِ إلَى مَا يَلِيهَا , وَلَا يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا بِدَلَالَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ قوله تعالى: (انْفَضُّوا إلَيْهَا) قَدْ عَادَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَهُمَا جَمِيعًا , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَحَصَلَ قَوْلُهُ: (أَوْ لَهْوًا) مُنْفَرِدًا عَنْ خَبَرِهِ , فَيَبْطُلُ فَائِدَتُهُ , فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: أَوْ لَهْوًا , مُفْتَقِرًا إلَى خَبَرٍ , وَلَا خَبَرَ لَهُ غَيْرُ مَا فِي الْآيَةِ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: انْفَضُّوا إلَيْهَا خَبَرٌ لَهُمَا جَمِيعًا , وَإِنَّمَا خَصَّ التِّجَارَةَ بِالْكِنَايَةِ , لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ: أَنَّ تَفَرُّقَ النَّاسِ إلَيْهَا أَكْثَرُ