فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 556

مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرُ فِعْلِهِ مُوجِبًا عَلَيْنَا فِعْلَ مِثْلِهِ , وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّرَ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ , وَمَتَى لَمْ يَعْلَمْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ إيجَابٍ , أَوْ نَدْبٍ , أَوْ إبَاحَةٍ , ثُمَّ فَعَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ وَأَرَادَهُ مِنَّا فَإِنَّ ذَلِكَ إلَى مُخَالَفَتِهِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْمُتَابَعَةِ , وَلَيْسَ تَرْكُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ , فِي صُورَتِهِ , دُونَ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَى إرَادَتِهِ مِنْهُ , لِأَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ , وَإِنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ. وَأَيْضًا: لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ , لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُرَادًا بِالْآيَةِ عِنْدَنَا , وَإِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ: أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ مُرَادٌ , وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ امْتَنَعَ دُخُولُ الْفِعْلِ فِيهِ , لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ. وَأَيْضًا: فَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ جَمِيعَ مَا ادَّعَوْهُ فِي الْآيَةِ: مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا: طَرِيقَتُهُ , وَشَانُهُ , وَأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام , لَمَا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ فِي إيجَابِهِ , لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي لُزُومِ سَائِرِ أَفْعَالِهِ لَنَا , وَمَا لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ , فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ بَعْضِ أَفْعَالِهِ , فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ الْبَعْضُ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ , وَلُزُومِ فِعْلِهِ , لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا , مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِ عَلَيْنَا. قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ تَدُلُّ: عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَيْنَا , لِتَعَذُّرِ اتِّبَاعِهِ فِيهِ , عِنْدَ فَقْدِنَا الْعِلْمَ بِالْوَجْهِ الَّذِي أُوقِعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ , لِأَنَّ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً , وَمَتَى فَعَلْنَاهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ وَنَحْنُ لَا نَامَنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ , فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَاعَةٍ , فَلَا نَكُونُ مُتَّبِعِينَ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ , لِأَنَّهُ قَالَ: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} وَمَعْنَاهُ يَخَافُ اللَّهَ. قِيلَ لَهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ , لِأَنَّهُ قَالَ: لَكُمْ أَنْ تَتَأَسَّوْا بِهِ , وَهَذَا نَدْبٌ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ , وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا بِدَلَالَةٍ , لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كَانَ يَفْعَلُ كَذَا لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ , وَإِنَّمَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ , لَوْ قَالَ: عَلَيْك بِهِ , أَنْ تَفْعَلَ كَذَا. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: عَلَيْكُمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا} وقوله تعالى: {وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ} مَعْنَاهُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ الْحَقِيقَةُ: مَا وَصَفْنَا , وَهَذَا مَجَازٌ , لَا يُصْرَفُ اللَّفْظُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ , وَأَمَّا قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ} فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ , لِأَنَّ مَعْنَاهُ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ , أَبَانَ بِهِ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ بِالتَّأَسِّي بِهِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت