فهرس الكتاب
وَاسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ بِالْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ , لِأَنَّ النَّدْبَ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِفِعْلِهِ , وَلَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ. وَأَمَّا تَاوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَعْنَى: يَخَافُ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ - غَلَطٌ , لِأَنَّ الرَّجَاءَ غَيْرُ الْخَوْفِ فِي اللُّغَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ: أَرْجُو الثَّوَابَ , وَلَا تَقُولُ: أَرْجُو الْعِقَابَ. وَإِنَّمَا تَقُولُ: أَخَافُ الْعِقَابَ , وَقَالَ تَعَالَى: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} , فَالرَّجَاءُ يَتَعَلَّق بِضِدِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَوْفُ , فَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ , وَصَرْفُهُ إلَى ضِدِّ مُوجِبِهِ. وَأَيْضًا: لَوْ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا دَلَّ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ , لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّأَسِّي بِهِ , لِيَكُونَ فِعْلًا مُسَاوِيًا لِفِعْلِهِ فِي الْحُكْمِ , فَإِذَا لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ , ثُمَّ فَعَلْته أَنَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ , فَلَيْسَ ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ عليه السلام طَاعَةٌ , وَإِذَا فَعَلَهُ هُوَ نَدْبًا أَوْ إبَاحَةً وَفَعَلْته أَنَا عَلَى الْوُجُوبِ فَقَدْ خَالَفْته , وَمُخَالَفَتُهُ لَيْسَتْ بِطَاعَةٍ. وَأَيْضًا: فَلَمَّا كَانَ مَعْلُومًا تَعَذُّرُ التَّأَسِّي بِهِ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ لُزُومَ سَائِرِ أَحْوَالِهِ , وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ , صَارَ مَا بَدَرَ إلَيْهِ مِنْ التَّأَسِّي بِهِ مُتَعَلِّقًا بِبَعْضِ أَفْعَالِهِ , لِاسْتِحَالَةِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِيهِ. فَصَارَ تَقْدِيرُهُ: لَكُمْ التَّأَسِّي بِهِ فِي بَعْضِ أَفْعَالِهِ , فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ اللَّفْظِ فِي إثْبَاتِ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ مَا فَعَلَهُ يَجِبُ عَلَيْنَا فِعْلُ مِثْلِهِ , لِأَنَّهُ مِمَّا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ عليه السلام , وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ) وَبَيْنَ لَوْ قَالَ: مَا أَتَى الرَّسُولُ بِهِ فَخُذُوهُ , كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ:"مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ"وَبَيْنَ مَا لَوْ قَالَ: مَا نَهَى عَنْهُ فَانْتَهُوا عَنْهُ. فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ , لِأَنَّ قَوْلَهُ: (مَا آتَاكُمْ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا أَتَى بِهِ فَخُذُوهُ , بِقَصْرِ الْأَلِفِ , لِأَنَّ قَوْلَهُ: (مَا آتَاكُمْ) بِمَعْنَى مَا أَعْطَاكُمْ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي خِطَابَنَا بِهِ , وَإِرَادَتَهُ مِنَّا , وَمَا فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ أَتَانَا فِي نَفْسِهِ أَفْعَالًا لَا يُرِيدُهَا مِنَّا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} , فَإِنَّ النَّهْيَ لَا يَكُونُ إلَّا خِطَابًا لَنَا , وَذَلِكَ فِي مَضْمُونِ اللَّفْظِ , فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ: مَا نَهَانَا عَنْهُ , يُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: أَتَى فُلَانٌ كَذَا: أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ , وَإِنَّمَا يَكُونُ فِعْلًا فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ , وَإِذَا قِيلَ: آتَى كَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ , يَنْبَغِي إعْطَاءً , فَيَقْتَضِي مُعْطِيًا , فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ فِيمَا وَصَفْنَا خِطَابَ الْغَيْرِ بِهِ , وَأَمَّا فِعْلٌ يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ ذَلِكَ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا {خَلَعَ النَّبِيُّ عليه السلام نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ خَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ} , فَدَلَّ: عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ لِلْوُجُوبِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام. قِيلَ لَهُ: هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَقْرُونَةٍ بِدَلَالَةٍ , مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْوُجُوبَ؟ دُونَ أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ