فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 556

عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ؟ وَهَذَا الْخَبَرُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام , وَذَلِكَ لِأَنَّ {النَّبِيَّ عليه السلام لَمَّا سَلَّمَ قَالَ لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ فَقَالُوا: رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا. فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ بِهَا قَذَرًا} فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَهُمْ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فِيهِ - لَمَا كَانَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ خَلْعَهَا فِي الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَا رُوِيَ: {أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام صَلَّى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةً , أَوْ لَيْلَتَيْنِ , ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ , فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُمْ: خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ} فَدَلَّ عَلَى: أَنَّ مُدَاوَمَتَهُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ مُوجِبٌ لِلتَّأَسِّي بِهِ فِيهِ , لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ مَعْنًى. قِيلَ لَهُ: هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَلَامَنَا فِي ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ عليه السلام هَلْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَمْ لَا؟ وَلَمْ نَتَكَلَّمْ فِي الْمُدَاوَمَةِ , وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ عليه السلام بِهِمْ لَيْلَتَيْنِ , وَأَخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِفِعْلِهِ , فَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَكَانَ قَدْ وَجَبَ بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ لَوْ دَاوَمْت , فَأَخْبَرَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُكْتَبُ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ , وَلَوْ كَانَتْ مُدَاوَمَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَقَالَ: لَوْ دَاوَمْت عَلَيْهَا لَوَجَبَتْ بِالْمُدَاوَمَةِ , وَكَانَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ:"خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ"يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ فِي مِثْلِهِ: أَنَّهُ إذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا , وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يُدَاوِمْ لَمْ تُكْتَبْ , فَكَانَ لُزُومُهُ لِلْفُرُوضِ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ , كَمَا كَانَ لُزُومُ الْخَمْسِينَ صَلَاةً أَوْ الْخَمْسَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ فِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ: أَنَّ أَفْعَالَهُ عليه السلام يَعْتَوِرُهَا مَعْنَيَانِ: الْأَخْذُ , وَالتَّرْكُ. فَلَمَّا كَانَ التَّرْكُ غَيْرَ وَاجِبٍ وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْفِعْلِ , كَانَ الْأَخْذُ مِثْلَهُ. وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِهِ فِي نَفْسِهِ , كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِهِ فِي نَفْسِهِ: مِنْ وُجُوبٍ , أَوْ نَدْبٍ , أَوْ إبَاحَةٍ. فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ وُجُوبُ الْفِعْلِ عَلَيْنَا بِوُجُودِهِ"مِنْهُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ"فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ إذَا وَرَدَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ , وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ , وَالْفَصْلِ بَيْنَ خَصْمَيْنِ بِالْقَضَاءِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ أَفْعَالِهِ بِمَثَابَتِهَا. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِعْلَهُ , فَهُوَ سُؤَالٌ سَاقِطٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إنَّ وُرُودَ فِعْلِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ , وَإِنَّمَا نَقُولُ: إنَّ وُرُودَ فِعْلِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ إذَا كَانَ بَيَانًا لِلَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ , وَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا لِمَا لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ فَلَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ. وَأَمَّا الْقَضَاءُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَنَحْوِهِ - فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت