فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 556

عَقَلُوا فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ عليه السلام: أَنَّهُ وَسَائِرَ أُمَّتِهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ , إلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , وَأَفْرَدَهُ بِحُكْمِهِ , دُونَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ , كَمَا عَقَلُوا: أَنَّ أَهْلَ سَائِرِ الْأَعْصَارِ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي حُكْمِ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ , وَكَمَا عَقَلُوا: أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ عليه السلام فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِنْ حُكْمٍ , جَارٍ فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ. فَإِنْ كَانَ حُكْمًا مُبْتَدَأً فَالْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ , وَإِنْ كَانَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِسَبَبٍ فَبِحُدُوثِ (السَّبَبِ) . فَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ الْحُكْمِ , وَعَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ وَالْمَفْهُومِ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ عليه السلام تَوَافَقُوا عَلَى نَقْلِ أَحْكَامِ النَّبِيِّ عليه السلام الْمَحْكُومِ بِهَا فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ , إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ , لِأَنَّهُمْ عَقَلُوا أَنَّهَا أَحْكَامٌ جَارِيَةٌ فِي جَمِيعِهِمْ , إلَّا مَنْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} فَأَخْبَرَ: أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عليه السلام , لِيَكُونَ حُكْمًا جَارِيًا فِي أُمَّتِهِ , وَنَبَّهْنَا بِهِ , عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام وَأُمَّتَهُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ سَوَاءٌ , إلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ: مِنْ نَحْوِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ , وَالْجَمْعِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا: قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} إلَى قوله تعالى {خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لَمَّا أَرَادَ إفْرَادَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ , وَأَخْبَرَ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ , لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخُصَّهُ لَعَقَلَتْ الْأُمَّةُ مُسَاوَاتَهَا لَهُ فِيهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: حَدِيثُ {الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ حِينَ بَعَثَ بِهَا زَوْجُهَا إلَيْهَا لِتَسْأَلَهَا عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ , فَأَخْبَرَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ , فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْت كَالنَّبِيِّ عليه السلام , إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِنَبِيِّهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ , وَمَا تَأَخَّرَ , فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ عليه السلام سَأَلَتْهُ , فَقَالَ: النَّبِيُّ عليه السلام لِأُمِّ سَلَمَةَ: هَلَّا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَدْ أَخْبَرْتهَا بِذَلِكَ , فَقَالَ زَوْجُهَا: لَسْت كَالنَّبِيِّ , إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ , وَمَا تَأَخَّرَ , فَغَضِبَ النَّبِيُّ عليه السلام , وَقَالَ: إنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ , وَأَعْلَمَكُمْ بِحُدُودِهِ} . فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ عليه السلام: أَنَّ وُجُودَ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ كَانَ كَافِيًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِهِ عَنْ حُكْمِ نَفْسِهِ , وَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام وَاقِعًا عَلَى وَجْهِهِ كَانَ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ , فِي إيقَاعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ , وَمَا لَمْ نَعْلَمْهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ , قُلْنَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ , إذْ كَانَتْ أَدْنَى مَنَازِلِ أَفْعَالِهِ , وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِعْلُهُ بَدْءًا , وَلَا وَاجِبًا , لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حُكْمٍ لَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ. فَإِنْ قِيلَ: شَرْطُ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ وَالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ عليه السلام: أَنْ يَكُونَ هُوَ فَعَلَهُ , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت