فهرس الكتاب
لَمَّا قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّبِعُوهُ} وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فَكَانَ الِاتِّبَاعُ وَالتَّأَسِّي: أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ , عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ , فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَّا إيقَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ , وَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَادَهُ النَّبِيُّ عليه السلام مِنَّا , بِإِرَادَةٍ مَقْرُونَةٍ بِفِعْلِ مِثْلِهِ , عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ عَلَيْهِ , مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَأَيْضًا: لَمَّا أَقَامَ اللَّهُ لَنَا الدَّلَائِلَ: عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ عليه السلام وَحُكْمَ أُمَّتِهِ سَوَاءٌ , إلَّا فِيمَا خَصَّهُ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا , فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا: أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ , وَنَكُونَ بِذَلِكَ مُتَّبِعِينَ وَمُتَأَسِّينَ بِهِ , وَلَا نَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى: فِي أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مِنَّا فِعْلَهُ غَيْرَ مَا وَصَفْنَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنِّي إذَا لَمْ أَعْلَمْ وُقُوعَ فِعْلِهِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَقَفْت فِيهِ , وَلَمْ أَفْعَلْهُ , حَتَّى أَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ , فَأَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ , لِأَنِّي إذَا فَعَلْته عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهُ فِيهِ , لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عليه السلام فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ , أَوْ الْوُجُوبِ. وَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ , لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي قَوْلِهِ: أَقِفُ فِيهِ: مِنْ أَنْ يَمْنَعَ فِعْلَ مِثْلِهِ وَيَحْظُرَهُ , أَوْ يَقُولَ: إنِّي لَا أَمْنَعُهُ , وَلَا تَبِعَةَ عَلَى فَاعِلِهِ , فَإِنْ حَظَرَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ - فَقَدْ حَكَمَ بِحَظْرِهِ وَأَبْطَلَ الْوَقْفَ , وَهَذَا عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ إذَا كَانَ حَاظِرًا لِمَا اسْتَبَاحَ النَّبِيُّ عليه السلام فِعْلَهُ. وَإِنْ قَالَ: لَا أَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ , وَلَا أَلُومُ فَاعِلَهُ. قِيلَ لَهُ: فَهَذَا هُوَ الْإِبَاحَةُ الَّتِي أَنْكَرْتهَا , وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بِالْوَقْفِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ وَجْهِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُخَالَفَةِ لِلنَّبِيِّ عليه السلام , لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام حِينَ فَعَلَهُ لَمْ يَقِفْ فِيهِ , فَالْقَوْلُ بِالْوَقْفِ فَاسِدٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ: وَأَنْتَ إذَا فَعَلْته عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَلَسْت تَامَنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عليه السلام قَدْ فَعَلَهُ نَدْبًا , أَوْ إيجَابًا , فَتَكُونَ قَدْ خَالَفْته. قِيلَ لَهُ: لَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَبَيَّنَهُ عليه السلام , لِأَنَّ مِنَّا الْحَاجَةَ إلَيْهِ , فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ: عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَجَازَ لَنَا فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَبَيَّنَهُ , فَإِذَا جَازَ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ , جَازَ أَنْ لَا يُبَيِّنَ مَا يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالْإِيجَابِ. قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ , لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام جَائِزٌ لَهُ أَنْ لَا يُبَيِّنَ الْمُبَاحَاتِ كُلَّهَا , إذْ لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إلَيْهَا فِي دِينِنَا , إذْ لَا نَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهَا ثَوَابًا , وَلَا بِتَرْكِهَا عِقَابًا. وَأَمَّا النَّدْبُ , وَالْوَاجِبُ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ بَيَانُهُ , لِأَنَّ مِنَّا الْحَاجَةَ إلَيْهِ فِي مَعْرِفَتِهِ , لِنَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ , وَلِئَلَّا نُوَاقِعَ الْمَحْظُورَ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي التَّرْكِ , كَقَوْلِنَا فِي الْفِعْلِ , فَمَتَى رَأَيْنَا النَّبِيَّ عليه السلام قَدْ تَرَكَ فِعْلَ شَيْءٍ وَلَمْ نَدْرِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَرَكَهُ , قُلْنَا: تَرَكَهُ عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ , فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْنَا , إلَّا أَنْ