فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 556

يَدْرِي عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَسِّيًا. أَمَّا إبْطَالُ الْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ بِضَرُورَةِ عَقْلٍ , وَلَا نَظَرٍ , وَلَا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ , فَهُوَ تَحَكُّمٌ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ , وَالنَّدْبِ , وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِصْمَتَهُ مِنْ الصَّغَائِرِ يُحْتَمَلُ الْحَظْرُ أَيْضًا فَلَمْ يَتَحَكَّم بِالْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوبِ. شُبَهٌ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ فِعْلِهِ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ , وَمَصْلَحَةٌ , وَلَوْلَاهُ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ , وَلَا تَعَبَّدَ بِهِ. قُلْنَا: جُمْلَةُ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لِيَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْظُورًا , وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي حَقِّنَا , وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِأَنَّ مَا كَانَ فِي حَقِّهِ حَقًّا وَصَوَابًا , وَمَصْلَحَةً كَانَ فِي حَقِّنَا كَذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ مَصْلَحَةٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى صِفَةِ النُّبُوَّةِ أَوْ صِفَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا , وَلِذَلِكَ خَالَفَنَا فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْجَائِزَاتِ , وَالْوَاجِبَاتِ , وَالْمَحْظُورَاتِ , بَلْ اخْتَلَفَ الْمُقِيمُ , وَالْمُسَافِرُ , وَالْحَائِضُ , وَالطَّاهِرُ فِي الصَّلَوَاتِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ اخْتِلَافُ النَّبِيِّ , وَالْأُمَّةِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ , وَتَعْظِيمُ النَّبِيِّ وَاجِبٌ , وَالتَّأَسِّي بِهِ تَعْظِيمٌ. قُلْنَا: تَعْظِيمُ الْمَلِكِ فِي الِانْقِيَادِ لَهُ فِيمَا يَامُرُ , وَيَنْهَى لَا فِي التَّرَبُّعِ إذَا تَرَبَّعَ , وَلَا فِي الْجُلُوسِ عَلَى السَّرِيرِ إذَا جَلَسَ عَلَيْهِ , فَلَوْ نَذَرَ الرَّسُولُ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ فِي أَنْ نَنْذِرَهَا مِثْلَ مَا نَذَرَهَا , وَلَوْ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ فِي التَّشَبُّهِ بِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتَابَعْ فِي أَفْعَالِهِ لَجَازَ أَنْ لَا يُتَابَعَ فِي أَقْوَالِهِ , وَذَلِكَ تَصْغِيرٌ لِقَدْرِهِ , وَتَنْفِيرٌ لِلْقُلُوبِ عَنْهُ قُلْنَا: هَذَا هَذَيَان فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَوْلِ عِصْيَانٌ لَهُ , وَهُوَ مَبْعُوثٌ لِلتَّبْلِيغِ حَتَّى يُطَاعَ فِي أَقَاوِيلِهِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ , وَفِعْلَهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِ , وَأَمَّا التَّنْفِيرُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ , وَلَوْ كَانَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِهِ تَصْغِيرًا لَكَانَ تَرْكُنَا لِلْوِصَالِ , وَتَرْكُنَا نِكَاحَ تِسْعٍ بَلْ تَرْكُنَا دَعْوَى النُّبُوَّةِ تَصْغِيرًا ; فَاسْتَبَانَ أَنَّ هَذِهِ خَيَالَاتٌ , وَأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْفِعْلَ مُتَرَدِّدٌ كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ كَالْقُرْءِ مُتَرَدِّدٌ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ. الرَّابِعَةُ: تَمَسُّكُهُمْ بِآيٍ مِنْ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوهُ} , وَأَنَّهُ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ , وَالْأَفْعَالَ , وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} , وَقَوْلِهِ {, وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} , وَأَمْثَالِهِ , وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى قَبُولِ أَقْوَالِهِ , وَغَايَتُهُ أَنْ يَعُمَّ الْأَقْوَالَ , وَالْأَفْعَالَ , وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ مُمْكِنٌ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَائِضِ , وَالْمَرِيضِ مُوَافَقَتُهُ مَعَ أَنَّهُمْ مَامُورُونَ بِالِاتِّبَاعِ , وَالطَّاعَةِ. الْخَامِسَةُ: وَهِيَ أَظْهَرُهَا: تَمَسُّكُهُمْ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ , وَهُوَ أَنَّهُمْ وَاصَلُوا الصِّيَامَ لَمَّا وَاصَلَ , وَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا خَلَعَ , وَأَمَرَهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالتَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ فَتَوَقَّفُوا فَشَكَا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ اُخْرُجْ إلَيْهِمْ , وَاذْبَحْ , وَاحْلِقْ فَفَعَلَ , فَذَبَحُوا , وَحَلَقُوا مُسَارِعِينَ , وَأَنَّهُ خَلَعَ خَاتَمَهُ فَخَلَعُوا , وَبِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ , وَيَقُولُ: إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ , وَلَا تَنْفَعُ , وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت