فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 556

الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ وَهُوَ مَعْلُومٌ. (الضَّرْبُ الثَّالِثُ) مَا يُسَمَّى بِتَحَقُّقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ نَوْعَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ الْعَامِّ نَظَرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَنَاطِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لِمُكَلَّفٍ مَا مَثَلًا إذَا نَظَرَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَدَالَةِ وَوَجَدَ هَذَا الشَّخْصَ مُتَّصِفًا بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ أَوْقَعَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهِ النَّصُّ مِنْ التَّكَالِيفِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْعُدُولِ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَالِانْتِصَابِ لِلْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ وَإِذَا نَظَرَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي النَّدْبِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْإِبَاحِيَّةِ وَوَجَدَ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْجُمْلَةِ أَوْقَعَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ تِلْكَ النُّصُوصِ كَمَا يُوقِعُ عَلَيْهِمْ نُصُوصَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْقَبُولِ الْمَشْرُوطِ بِالتَّهْيِئَةِ الظَّاهِرَةِ فَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ فِي أَحْكَامِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى سَوَاءٍ فِي النَّظَرِ , وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ نَظَرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَنَاطِ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَائِلِ التَّكْلِيفِيَّةِ بِحَيْثُ يَتَعَرَّفُ مِنْهُ مَدَاخِلَ الشَّيْطَانِ وَمَدَاخِلَ الْهَوَى وَالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ حَتَّى يُلْقِيَهَا هَذَا الْمُجْتَهِدُ عَلَى ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ مُقَيَّدَةً بِقُيُودِ التَّحَرُّرِ مِنْ تِلْكَ الْمَدَاخِلِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّكْلِيفِ الْمُتَحَتِّمِ وَغَيْرِهِ وَيَخْتَصُّ غَيْرُ الْمُتَحَتِّمِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يَصْلُحُ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ حَالٍ وَشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ إذْ النُّفُوسُ لَيْسَتْ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ عَلَى وِزَانِ وَاحِدٍ كَمَا أَنَّهَا فِي الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ كَذَلِكَ فَرُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَدْخُلُ بِسَبَبِهِ عَلَى رَجُلٍ ضَرَرٌ أَوْ فَتْرَةٌ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ وَرُبَّ عَمَلٍ يَكُونُ حَظُّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِلِ أَقْوَى مِنْهُ فِي عَمَلٍ آخَرَ وَيَكُونُ بَرِيئًا فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ فَصَاحِبُ هَذَا التَّحْقِيقِ الْخَاصِّ هُوَ الَّذِي رُزِقَ نُورًا يَعْرِفُ بِهِ النُّصُوصَ وَمَرَامِيَهَا وَتَفَاوُتَ إدْرَاكِهَا وَقُوَّةَ تَحَمُّلِهَا لِلتَّكْلِيفِ وَصَبْرِهَا عَلَى حَمْلِ أَعْبَائِهَا أَوْ ضَعْفِهَا وَيَصْرِفُ الْتِفَاتَهَا إلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ وَعَدَمِ الْتِفَاتِهَا فَهَذَا النَّوْعُ أَعْلَى وَأَدَقُّ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَمَنْشَؤُهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ نَتِيجَةِ التَّقْوَى الْمَذْكُورَةِ فِي قوله تعالى {إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحِكْمَةِ قَالَ تَعَالَى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَانِ ابْنِ آدَمَ أَنْ لَا يَعْلَمَ ثُمَّ يَعْلَمَ أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . وَقَالَ أَيْضًا إنَّ الْحِكْمَةَ مَسْحَةُ مَلَكٍ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ وَقَالَ الْحِكْمَةُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَقَالَ أَيْضًا يَقَعُ بِقَلْبِي أَنَّ الْحِكْمَةَ الْفِقْهُ فِي دِينِ اللَّهِ وَأَمْرٌ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْقُلُوبَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ هُوَ الِاجْتِهَادُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَتَّى يَنْقَطِعَ أَصْلُ التَّكْلِيفِ وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَبِخِلَافِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يُمْكِنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت