فهرس الكتاب
تَقْصِيرٍ يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ فَاسْتِحْقَاقُ الْعِتَابِ بِنَاءً عَلَيْهِ كَمَنْ زَلَّ فِي الطَّرِيقِ يَسْتَحِقُّ اللُّوَّمَ لِتَرْكِ التَّثَبُّتِ وَالتَّقْصِيرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رحمه الله فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ مَعْنَى الزَّلَّةِ أَنَّهُمْ زَلُّوا عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَعَنْ الطَّاعَةِ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَكِنْ مَعْنَاهَا الزَّلَلُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْفَاضِلِ وَالْأَصْوَبِ إلَى الصَّوَابِ وَكَانُوا يُعَاقَبُونَ لِجَلَالِ قَدْرِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (بِشُغْلِهِ عَنْهُ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ , وَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْفِعْلِ الْمُبَاحِ أَيْ زَلَّ الْفَاعِلُ بِسَبَبِ شُغْلِهِ عَنْ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ الَّذِي قَصَدَهُ أَيْ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ حَرَامٌ لَمْ يُقْصَدْ أَصْلًا , فَإِنَّهَا أَيْ الْمَعْصِيَةُ اسْمٌ لِفِعْلٍ حَرَامٍ مَقْصُودٍ بِعَيْنِهِ أَيْ نَفْسُ الْفِعْلِ مَقْصُودٌ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ دُونَ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ , فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لَكَانَ كُفْرًا. قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ) أَيْ بَاقِي أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الزَّلَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِسَهْوٍ مِثْلُ تَسْلِيمِهِ عَلَى رَاسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ حَتَّى قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت وَلَا طَبْعٍ مِثْلُ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يَخْلُو ذُو الرُّوحِ عَنْهَا كَالتَّنَفُّسِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهَا , فَإِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِلَى أُمَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا بُدَّ لِتَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِنْ قُيُودٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ , فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَابِعًا لِلْمُبَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ امْتِثَالًا وَتَنْفِيذًا لِأَمْرٍ سَابِقٌ , فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلْأَمْرِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ كَوُجُوبِ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي النِّكَاحِ وَصَفِيِّ الْمَغْنَمِ وَخُمُسِ الْخُمُسِ , فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّشْرِيكِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا أَنْ عُلِمَتْ صِفَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ عليه السلام أَوْ لَمْ تُعْلَمْ , فَإِنْ عُلِمَتْ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِمْ مُتَعَبَّدِينَ فِي التَّأَسِّي بِهِ بِإِتْيَانِ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَذَهَبَ شِرْذِمَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عُلِمَتْ صِفَتُهُ كَحُكْمِ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ رحمه الله: وَأَمَّا إذَا قَامَ دَلِيلُ صِفَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَأَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَخْصُوصٌ بِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِأُمَّتِهِ عليه السلام شَرِكَةٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلَاتِ فَفِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرَبِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُعْرَفْ صِفَتُهَا فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا بِوُجُوبٍ وَلَا نَدْبٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَلَا يَثْبُتُ لَنَا فِيهَا