فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 556

قَوْلِ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الِاتِّبَاعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي أَفْعَالِهِ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَلَيْسَ يَجِبُ اشْتِرَاكُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْمَصَالِحِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلٌ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ شَخْصٍ وَلَا يَكُونُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ آخَرَ فَإِذًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ النَّبِيِّ عليه السلام وَلَا يَكُونُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ مَا لَمْ يُبَحْ لَنَا مِنْ الْعَدَدِ فِي النِّكَاحِ وَالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ أُوجِبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجَبْ عَلَيْنَا مِثْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَنَحْوِهِمَا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُنَا مُتَابَعَتُهُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرِكَةِ. لَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي الْفِعْلِ عِبَارَةٌ عَنْ إتْيَانِ مِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْفِعْلُ مِثْلَ الْأَوَّلِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا وَالْآخَرُ نَفْلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِأَنْ صَلَّى رَجُلَانِ الظُّهْرَ مُنْفَرِدَيْنِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ لَا يَكُونُ مُتَابَعَةً , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ الْمُتَابَعَةُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَةِ الْفِعْلِ وَلَا وَجْهَ إلَى الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ وَصْفُ الْفِعْلِ بِالدَّلِيلِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَهَذَا الْكَلَامُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ إنْ كَانَ يَمْنَعُ الْأُمَّةَ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَيَلُومُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَثْبَتَ صِفَةَ الْحَظْرِ فِي الِاتِّبَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَلُومُهُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أَثْبَتَ صِفَةَ الْإِبَاحَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوَقْفِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الِاتِّبَاعِ فَقَدْ احْتَجُّوا بِالنُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لِطَاعَةِ الرَّسُولِ عليه السلام عَلَى الْإِطْلَاقِ مِثْلُ قوله تعالى {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أَيْ عَنْ شَانِ الرَّسُولِ وَسَمْتِهِ وَطَرِيقَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أَيْ شَانُهُ وَطَرِيقَتُهُ وَمَذْهَبُهُ قَالُوا وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الشَّانِ هَاهُنَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْقَوْلِ لِانْتِظَامِ الشَّانِ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ. وَالنُّصُوصُ فِيهَا أَيْ فِي طَاعَةِ الرَّسُولِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} , فَإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا تُوجِبُ اتِّبَاعَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَمِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام خَلَعَ نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعُوا اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِهِ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ بَلْ بَيَّنَ الْعِلَّةَ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ أَنَّ فِيهَا قَذَرًا وَأَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَتَرَبَّصُوا وَتَوَقَّفُوا فَلَمَّا فَعَلَ بِنَفْسِهِ تَبَادَرُوا إلَى الْحَلْقِ فَدَلَّ أَنَّ لِلْفِعْلِ مِنْ الْمَكَانَةِ فِي الْقُلُوبِ مَا لَيْسَ لِلْقَوْلِ وَلَمَّا {قَبَّلَ عُمَرُ رضي الله عنه الْحَجَرَ قَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُك} فَرَأَى أَنَّ مُتَابَعَتَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ فِعْلِهِ وَاجِبَةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت