فهرس الكتاب
العلماء رضي الله عنهم على ذلك, والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة, ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم: ثم قال تبارك وتعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} من هذه لبيان الجنس {مغفرة} أي لذنوبهم {وأجرًا عظيمًا} أي ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل, وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم, ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة, رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم, وقد فعل. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» . آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.
ويقول القرطبي رحمه الله:
الآية: 29 {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}
قوله تعالى:"محمد رسول الله""محمد"مبتدأ و"رسول"خبره. وقيل:"محمد"ابتداء و"رسول الله"نعته."والذين معه"عطف على المبتدأ، والخبر فيما بعده؛ فلا يوقف على هذا التقدير على"رسول الله". وعلى الأول يوقف على"رسول الله"؛ لأن صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف أصحابه؛ فيكون"محمد"ابتداء و"رسول الله"الخبر"والذين معه"ابتداء ثان. و"أشداء"خبره و"رحماء"خبر ثان. وكون الصفات في جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه. وقيل: المراد بـ"الذين معه"جميع المؤمنين."أشداء على الكفار"قال ابن عباس: أهل الحديبية أشداء على الكفار؛ أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته."رحماء بينهم"أي يرحم بعضهم بعضا. وقيل: متعاطفون متوادون. وقرأ الحسن"أشداء على الكفار رحماء بينهم"بالنصب على الحال، كأنه قال: والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم."تراهم ركعا سجدا"إخبار عن كثرة صلاتهم."يبتغون فضلا من الله ورضوانا"أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى.
قوله تعالى:"سيماهم في وجوههم من أثر السجود"السيما العلامة، وفيها لغتان: المد والقصر، أي لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات السهر. وفي