فهرس الكتاب
قوله تعالى:"وهموا بما لم ينالوا"يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك، وكانوا اثني عشر رجلا. قال حذيفة: سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم ولهم. فقلت: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: (أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة) . قيل: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: (شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه) . فكان كذلك. خرجه مسلم بمعناه. وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه. وقد تقدم قول مجاهد في هذا.
قوله تعالى:"وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله"أي ليس ينقمون شيئا؛ كما قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ويقال: نقَم ينقِم، ونقِم ينقَم؛ قال الشاعر في الكسر:
ما نقِموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وقال زهير:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقَم
ينشد بكسر القاف وفتحها. قال الشعبي: كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا. ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا. ويقال: إن القتيل كان مولى الجلاس. وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم. وهذا المثل مشهور: اتق شر من أحسنت إليه. قال القشيري أبو نصر: قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه؟ قال نعم،"وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله".
قوله تعالى:"فإن يتوبوا يكن خيرا لهم"روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب. فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان؛ وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق. وقد اختلف في ذلك العلماء؛ فقال الشافعي: تقبل توبته. وقال مالك: توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. وكذلك يفعل الآن في كل حين، يقول: أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر؛ فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يتغير حاله عما كان عليه. فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته؛ وهو المراد بالآية. والله أعلم.
قوله تعالى:"وإن يتولوا"أي يعرضوا عن الإيمان والتوبة"يعذبهم الله عذابا أليما"في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار."وما لهم في الأرض من ولي"أي مانع يمنعهم"ولا نصير"أي معين. وقد تقدم.