فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 556

هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعًا يخلف أو هملًايترك - فرحوا بالسلامة والراحة (خلاف رسول الله) وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد , وحسبوا أن السلامة العامة غاية يحرص عليها الرجال! (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه) . .

(وقالوا: لا تنفروا في الحر) وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال.

إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة , وطراوة الإرادة ; وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب , وينفرون من الجهد , ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم , ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات. ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك , لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان , وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال.

والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوي على الحقيقة:

(وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل: نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون) .

فإن كانوا يشفقون من حر الأرض , ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال. فكيف بهم في حر جهنم وهي أشد حرًا , وأطول أمدًا ? وإنها لسخرية مريرة , ولكنها كذلك حقيقة. فإما كفاح في سبيل اللّه فترة محدودة في حر الأرض , وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا اللّه:

(فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون) . .

وإنه لضحك في هذه الأرض وأيامها المعدودة , وإنه لبكاء في أيام الآخرة الطويلة. وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما يعدون.

(جزاء بما كانوا يكسبون) . .

فهو الجزاء من جنس العمل , وهو الجزاء العادل الدقيق:

هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد - في ساعة العسرة - وتخلفوا عن الركب في أول مرة. هؤلاء لا يصلحون لكفاح , ولا يُرجون لجهاد , ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي , ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلوا عنه راضين:

(فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج , فقل: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا , إنكم رضيتم بالقعود أول مرة , فاقعدوا مع الخالفين) . .

إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت