فهرس الكتاب
ويقول السيد رحمه الله:
(وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) . .
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل , والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد ; وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله , وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم ; فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل , وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين!
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة ; وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان!
(وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) . .
فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف , والعودة إلى بيوتهم , بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا , لا موضع لها ولا محل , وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم. . وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها , ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح , والظنون لا تثبت ولا تستقر!
(ويستأذن فريق منهم النبي , يقولون: إن بيوتنا عورة) . .
يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة , ويجردهم من العذر والحجة:
(وما هي بعورة) . .
ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار:
(إن يريدون إلا فرارا) . .
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: (إن بيوتنا عورة) , وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا , فأذن لنا فلنرجعإلى دورنا , فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم صلى الله عليه وسلم فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم. إنا والله ما اصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا. . فردهم. .
فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم: (إن يريدون إلا فرارا) . .
ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم