فهرس الكتاب
فإن قال قائل: مَعْنَى حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ حَتَّى يُجَاهِدُوا مَعَكُمْ , بِخِلاَفِ فِعْلِهِمْ حِينَ انْصَرَفُوا، عَنْ أُحُدٍ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْصَرِفِينَ، عَنْ أُحُدٍ قِيلَ لَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا مُمْكِنٌ , وَلَكِنْ قَدْ قَالَ تَعَالَى فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فَأَخْبِرُونَا هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام فَقَتَلَ الرَّاجِعِينَ، عَنْ أُحُدٍ حَيْثُ وَجَدَهُمْ وَهَلْ أَخَذَهُمْ أَمْ لاَ
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , كَذَبُوا كَذِبًا لاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ , وَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ شَكٌّ فِي أَنَّهُ عليه السلام لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلاَ نَبَذَ الْعَهْدَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عليه السلام، وَلاَ الْمُؤْمِنُونَ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ , وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ , فَأَمَرَهُ تَعَالَى إنْ تَوَلَّوْا بِقَتْلِهِمْ , حَيْثُ وَجَدَهُمْ , فَلَمْ يَفْعَلْ , وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ ظَنَّهُ بِلاَ شَكٍّ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَتَوَلَّوْا بَلْ تَابُوا وَرَجَعُوا وَجَاهَدُوا قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَنْهُمْ بِلاَ شَكٍّ وَحَصَلَ لَهُمْ حُكْمُ الإِعْلاَمِ بِظَاهِرِ الآيَةِ بِلاَ شَكٍّ فَقَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ جُمْلَةً فِي أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ. وَلَكِنْ فِي قوله تعالى إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ إلَى قوله تعالى: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ مِنْ الأَوْسِ، وَلاَ مِنْ الْخَزْرَجِ , لأََنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوْمٌ مُحَارِبُونَ لِلنَّبِيِّ عليه السلام، وَلاَ نُسِبُوا قَطُّ إلَى قَوْمٍ مُعَاهِدِينَ النَّبِيَّ عليه السلام بِمِيثَاقٍ مَعْقُودٍ , هَذَا مَعَ قوله تعالى فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ إلَى قوله تعالى سَبِيلًا فَإِنَّ هَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ الأَنْصَارِ , وَمِنْ غَيْرِ الْمُنَافِقِينَ , لَكِنْ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ بِالْكُفْرِ. إِلاَّ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّ قوله تعالى إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ آخَرِينَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَلَى أُولَئِكَ إنْ كَانَ هَكَذَا.
فإن قيل: فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ أَنَّ فِي قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً أَنَّهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْكُفَّارِ غَيْرِ أُولَئِكَ , فَحَسْبُنَا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى أُولَئِكَ الرَّاجِعِينَ"مُنَافِقِينَ"فَصَارُوا مَعْرُوفِينَ قِيلَ لَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: وَقَدْ
قلنا إنَّ النِّفَاقَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَيُبْطِنُ الإِيمَانَ , وَقِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُضْمِرُ فِيمَا سِوَى الدِّينِ، وَلاَ يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا , وَقَدْ قِيلَ لأَبْنِ عُمَرَ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى الإِمَامِ فَيَقْضِي بِالْقَضَاءِ فَنَرَاهُ جَوْرًا فَنَمْسِكُ فَقَالَ: إنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا , فَلاَ نَدْرِي مَا تَعُدُّونَهُ أَنْتُمْ