فهرس الكتاب
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَإِنْ صَلَّى وَإِنْ صَامَ وَقَالَ إنِّي مُسْلِمٌ. فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ , فَلاَ يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الإِسْلاَمِ إِلاَّ بِنَصٍّ , وَلَكِنَّا نَقْطَعُ عَلَيْهِمْ بِمَا قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ اسْمِ النِّفَاقِ , وَالضَّلاَلَةِ , وَالإِرْكَاسِ , وَخِلاَفِ الْهُدَى، وَلاَ نَزِيدُ، وَلاَ نَتَعَدَّى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِآرَائِنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا إلَى قَوْلِهِ: أَجْرًا عَظِيمًا.
قال أبو محمد رحمه الله: أَمَّا هَؤُلاَءِ فَمُنَافِقُونَ النِّفَاقَ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ , فَلاَ شَكَّ لِنَصِّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ , لاَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَلاَ إلَى الْمُجَاهِرِينَ بِالْكُفْرِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ , وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْ الْكُفَّارِ , بِكَوْنِهِمْ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الآيَاتِ كُلِّهَا أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَهُمْ , بِأَعْيَانِهِمْ , وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ , إذْ لاَ دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ , فَلاَ حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَهُمْ , وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ. ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ قوله تعالى إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ إلَى قوله تعالى أَجْرًا عَظِيمًا مُوجِبًا لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إذَا تَابُوا وَهُمْ قَدْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ , وَالنَّدَمَ , وَالإِقْرَارَ بِالإِيمَانِ بِلاَ شَكٍّ , فَبَطَلَ عَنْهُمْ بِهَذَا حُكْمُ النِّفَاقِ جُمْلَةً فِي الدُّنْيَا , وَبَقِيَ بَاطِنُ أَمْرِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي عَلَى كُلِّ آيَةٍ فِيهَا نَصٌّ بِأَنَّهُ عليه السلام عَرَفَ مُنَافِقًا بِعَيْنِهِ , وَعَرَفَ نِفَاقَهُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ إلَى قوله تعالى فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ.
قال أبو محمد رحمه الله: فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْ قَوْمٍ يُسَارِعُونَ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا حَذَرًا أَنْ تُصِيبَهُمْ دَائِرَةٌ , وَأَخْبَرَ تَعَالَى، عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْكَافِرِينَ أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ يَعْنُونَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ فَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ خَبَرًا، عَنْ قَوْمٍ أَظْهَرُوا الْمَيْلَ إلَى الْكُفَّارِ فَكَانُوا مِنْهُمْ كُفَّارًا خَائِبِي الأَعْمَالِ، وَلاَ يَكُونُونَ فِي الأَغْلَبِ إِلاَّ مَعْرُوفِينَ , لَكِنَّ قوله تعالى فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى نَدَامَتِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ , وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَى مَا فِي الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إلَى قوله تعالى لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ
قال أبو محمد رحمه الله: فَهَذِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ بِلاَ شَكٍّ , وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لاَ يَعْلَمُونَهُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُخَاطَبٌ بِهَذَا الْخِطَابِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِلاَ شَكٍّ فَهُوَ لاَ يَعْلَمُهُمْ , وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُمْ ,