فهرس الكتاب
وَقَالَ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوك إلَى قوله تعالى كَارِهُونَ
قال أبو محمد رحمه الله: لَيْسَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ فِي ذَلِكَ , وَأَنَّهُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ , وَهَذِهِ صِفَةُ كُلِّ عَاصٍ فِي مَعْصِيَتِهِ. وَفِي الآيَةِ أَيْضًا: مُعَاتَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ عليه السلام عَلَى إذْنِهِ لَهُمْ.
وَأَمَّا قوله تعالى لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ إلَى قوله تعالى يَتَرَدَّدُونَ فَإِنَّ وَجْهَ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ لاَ تُصْرَفَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ , وَلاَ إجْمَاعٍ أَنَّهُ فِي الْمُسْتَانَفِ ; لأََنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ الأَسْتِقْبَالِ.
وَلاَ خِلاَفَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ , وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ تَبُوكَ غَزْوَةٌ أَصْلًا , وَلَكِنَّا نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هُنَاكَ غَزْوَةٌ بَعْدَ تَبُوكَ وَبَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ فَاسْتَاذَنَ قَوْمٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُعُودِ دُونَ عُذْرٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَكَانُوا بِلاَ شَكٍّ مُرْتَابَةً قُلُوبُهُمْ كُفَّارًا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ مُتَرَدِّدِينَ فِي الرَّيْبِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ قوله تعالى وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لاََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً إلَى قوله تعالى كَارِهُونَ فَهَذِهِ أَخْبَارٌ عَمَّا خَلاَ لَهُمْ وَعَنْ سَيِّئَاتٍ اقْتَرَفُوهَا , وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُوجِبُ لَهُمْ الْكُفْرَ , حَتَّى لَوْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَوْله تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي إلَى قوله تعالى وَهُمْ فَرِحُونَ.
قال أبو محمد رحمه الله: قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَهَذَا لاَ يَنْسَنِدُ أَلْبَتَّةَ , وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي , وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُقَالُ: هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلاَ شَكٍّ. وَلَيْسَ فِي الآيَةِ أَنَّهُ كَفَرَ بِذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ عَصَى و ( .. ) وَأَذْنَبَ , وَبَلَى إنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ.
وَأَمَّا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ إنْ أَصَابَتْ رَسُولَهُ عليه السلام سَيِّئَةٌ وَمُصِيبَةٌ تَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ , أَوْ أَنَّهُ إنْ أَصَابَتْهُ حَسَنَةٌ سَاءَتْهُمْ , فَهَؤُلاَءِ كُفَّارٌ بِلاَ شَكٍّ , وَلَيْسَ فِي الآيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ: ائْذَنْ لِي، وَلاَ تَفْتِنِّي , كَانَ مِنْهُمْ , وَلاَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَهُمْ وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إلَى قَوْلِهِ يَفْرَقُونَ
قال أبو محمد رحمه الله: أَمَّا هَؤُلاَءِ فَكُفَّارٌ بِلاَ شَكٍّ , مُظْهِرُونَ لِلإِسْلاَمِ , وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الآيَةِ أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ , وَلاَ دَلِيلَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا , وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ لِيُمَيِّزُوهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَلَيْسَ فِي قوله تعالى فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ، وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ